سوف أوجز في هذا المقام إن شاء الله جملة من أحكام التعامل مع أهل الذمة لا سيما فيما تدعو الحاجة إليه مما يخص التعامل مع الأفراد وما يواجهونه في حياتهم اليومية.
والأصل في منهج التعامل معهم قوله تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" [88] .
وفيما يلي بيان هذه الأحكام:
1)التحية والسلام: الأصل في جواز التحية والسلام عمومًا قوله تعالى:"وإذا حُييتم بتحية فحيُّوا بأحسن منها أو ردوها" [89] ، ولكن هذا بالنسبة لأهل الذمة ينضبط بأمور منها ألا يكون المسلم مبادرًا بالتحية والسلام [90] لا سيما على وجه التكريم والاحتفاء لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" [91] فالمقصود بالاضطرار إلى أضيق الطريق النهي عن التوسعة على وجه التكريم وليس المقصود أن تدفعه دفعًا وهذا يفسر لنا المقصود من عدم الابتداء بالسلام، فالنهي عنه أشد ما يكون إذا قُصد منه تكريمهم والحفاوة بهم.
فإذا سلم الكتابي فيرُدّ عليه بالمثل فقط ولا يزيد، وإذا استخدم لفظ"السلام عليكم"أو"السلام عليكم ورحمة الله"فلا يخلو أن يكون قاصدًا التحية فيرد عليه بالمثل أيضًا فتقول: وعليك السلام، أو أن يكون مستهزئًا أو شاتمًا فترد عليه بقولك:"وعليكم"فقط (أي ما ذكرتم من الاستهزاء أو الشتيمة) بدليل قوله تعالى في طائفة من اليهود:"وإذا جاؤوك حيَّوك بما لم يحيِّك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير" [92] ، وبدليل حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السام عليكم. فقولوا: وعليكم" [93] .
2)النداء والألقاب: لا يصح نداء وخطاب أهل الذمة بأي لفظ أو لقب يوحي بتعظيمهم، كقولك: يا سيدي أو يا سيدتي، أو نحو ذلك، بدليل قوله تعالى واصفًا المؤمنين الذين يحبون الله ويحبهم الله:"فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين" [94] .
ولا يجوز إظهار أي نوع من الخضوع أو الانكسار في مخاطبتهم وندائهم لنفس الدليل، ويجوز إسناد ما لهم من ألقاب بين قومهم أو ألقاب علمية على سبيل حكاية الواقع لا على سبيل الإقرار لهم بعز ولا مكانة، بدليل كتاب النبي صلى الله عليه وسلم:"من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم"فذكر عظمته نسبةً إلى قومه ولم يقل صلوات الله وسلامه عليه: إلى هرقل العظيم! وهذا أصل عام في منع كل ما يدل على تعظيمهم والخضوع لهم كما قال تعالى:"ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا" [95] .
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:"وأما أن يخاطَب بسيدنا ومولانا فحرام قطعًا" [96]
3)الأعياد: تحرم تهنئة أهل الذمة بأعيادهم والحرمة أشد في الأعياد الدينية مثل الكريسماس، وعيد الفصح وعيد بعض القديسين وعيد الشكر وغير ذلك ويحرم حضور الاحتفال بهذه الأعياد أو المشاركة فيها بالمال أو التحضير أو الزينة أو العون أو مجرد الحضور، والدليل قوله تعالى واصفًا عباد الرحمن:"والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كرامًا" [97] .