على ذلك قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم" [69] ،وقوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة" [70] ، وقوله تعالى:"وقالت اليهود يد الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولُعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدنَّ كثيرًا منهم ما أُنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا" [71] .
وإن ما ورد في بعض آيات القرآن الكريم مما فيه مدح بعض أهل الكتاب كقوله تعالى:"لتجدنَّ أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى .." [72] هو في من آمن وأسلم منهم كعبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فلا يجوز أن يُقتطع مثل هذا النص من سياقه الكامل الذي يدل على أن الممدوح منهم من استجاب للحق وآمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كما تدل عليه بقية الآية والآية التي تليها حيث قال تعالى:".. ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين" [73] .
وإن ما تقدم من دخول أهل الذمة من أهل الكتاب في عموم الكفار لا يمنع أن يخصهم الله تعالى ببعض التشريعات ولذلك فإن أهل الذمة صنف خاص من الكفار باعتبار ما يختصون به من معاملات وأحكام فقهية لا أنهم ليسوا كفارًا.
والدليل على ذلك ما تقدم من آيات صريحة في كفرهم وقوله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" [74] فدل على أنهم مع ما لهم من أحكام فقهية خاصة لا يزالون مخاطبين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأن من مات منهم على عقيدته من يهودية أو نصرانية فإنه في النار.
قال الإمام النووي رحمه الله:"وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى" [75] .
وبناء على ذلك تتفرع الأحكام العقدية التالية:
1)وجوب البراء من أهل الذمة: إن عقيدة التوحيد عند كل مسلم تستلزم منه أن يتبرأ إلى الله تعالى من كفر اليهود والنصارى وأن يبغض ما هم عليه من كفر ويبغضهم لكفرهم بغضًا شرعيًا لا بغضًا شخصيًا لمجرد دواعي الهوى، أي أنك تبغضه لمجرد كفره لا لأنه حرمك أو ظلمك في مصالحك الشخصية، والدليل على وجوب ذلك قوله تعالى:"قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء" [76] ، وقد بينت الآية الأخرى أن استثناء إبراهيم لأبيه كان لشبهة فلما زالت عاد إلى أصل البراءة من الكفار، قال تعالى:"وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدةٍ وعدها إياه فلما تبين أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم" [77] ، فالبغض والعداء في الدين من أركان التوحيد، فلا يجتمع حب الله وحب عدو الله قال تعالى:"لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم" [78] .
وهذا في حب الطاعة والتولي والإعجاب ولا يدخل فيه الحب الطبعي الجِبلّي - كحب الأم لأنها أم أو الابن لأنه ابن) فهذا مغتفر إن شاء الله لأنه غير مقدور للمرء تغييره ولأنه يدخل في باب التعامل