قلت: والأصل في هذا كله حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم" [55] ، وقد ذكره البخاري من قوله:"وجعل رزقي تحت رمحي .."معلقًا بصيغة التمريض [56] .
قال ابن قيم الجوزية:"فأهل الذمة أعظم خلافًا لأمره وأعصاه لقوله، فهم أهل أن يُذلوا بالتغيير عن زي المسلمين الذين أعزهم الله بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من الذين عصوا الله ورسوله فأذلهم وصغّرهم وحقّرهم حتى تكون سمة الهوان عليهم فيعرفوا بزيهم" [57] .
ولقد روى الإمام أحمد في مسنده عن تميم الداري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزًا يعز الله به الإسلام وذلًا يذل الله به الكفر"وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصغار والجزية" [58] ."
7)ألا يرتفعوا على المسلمين ببناء ولا بركوب: وهذا قريب في معناه من الواجب السابق، ولكن فيه معنى آخر من جهة عدم رفع بنيانهم على بنيان المسلمين غير منعهم من الاستعلاء المعنوي ألا وهو عدم تمكينهم من كشف عورات بيوت المسلمين لأنهم غير مؤتمين عليها.
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:"فأما حكم أبنيتهم ودورهم فإن كانوا في محلة منفردة عن المسلمين لا يجاورهم فيها مسلم تركوا وما يبنونه كيف أرادوا، وإن جاوروا المسلمين لم يمكنوا من مطاولتهم في البناء سواء كان الجار ملاصقًا أو غير ملاصق بحي يطلق عليه اسم الجار قرُب أو بعُد."ثم قال:"وهذا المنع لحق الإسلام لا لحق الجار" [59]
8)ألا يؤذوا المسلمين ولا يضروهم في شيء: ومن ذلك غشهم وإيواء الجواسيس والإعانة عليهم، فقد جاء في الشروط العمرية:"وألا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل أو النهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسًا وألا نكتم غشًا للمسلمين .." [60] ، ويدخل في الأذى والضرر الممنوع شتيمة المسلمين.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن يهودي قال: هؤلاء المسلمون الكلاب أبناء الكلاب يتعصبون علينا وكان قد خاصمه بعض المسلمين، فأجاب رحمه الله تعالى:"إذا كان أراد بشتمه طائفة معينة من المسلمين فإنه يعاقب على ذلك عقوبة تزجره وأمثاله عن مثل ذلك، وأما إن ظهر منه قصد العموم فإنه ينتقض عهده بذلك ويجب قتله" [61] .
وعلى هذا كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في بني قينقاع حيث أجلاهم لما اعتدوا على المرأة المسلمة بكشف عورتها في سوقهم، وفي بني النضير لما تآمروا لقتله صلوات الله وسلامه عليه وفي بني قريظة لما ظاهروا الكفار على المسلمين يوم الأحزاب.
9)ألا يسبوا الله تعالى ولا أحدًا من أنبيائه ولا يطعنوا في القرآن ولا في معتقد المسلمين ولا يتعرضوا للقرآن ولا للرسول صلى الله عليه وسلم بسوء: بل إن هذا مما ينتقض به عهده ويستباح به دمه كما نص على ذلك العلماء، والأصل في ذلك قوله تعالى:"وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في"