وانطلاقا من هذه القاعدة يقول ص (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) و في رواية: (كما يحب أن تؤتى عزائمة) (1) [رواه أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان] .
ومن التيسير الملموس بالنسبة للبشرية: هي قصر الصلاة في السفر, وكذا جمع الصلاة في السفر, وكذلك إباحة القعود أو الاضطجاع للمريض حالة الصلاة, حتى أن بعض الأئمة كأحمد أباح الجمع لذوي الأعذار كالمستحاضة ولمن به سلسل بول وانفلات ريح الخ ...
صلاة المسافر (قصر الصلاة)
عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر) (1) [1/ 37 جـ2 سبل السلام، متفق عليه] .
وللبخاري عن عائشة (ثم هاجر ففرضت أربعا وأقرت صلاة السفر على الأول) زاد أحمد (إلا المغرب فإنها وتر النهار وإلا الصبح فإنها تطول فيها القراءة) .
وقد اختلف العلماء في قصر الصلاة للمسافر:
1 -فقال الحنفية: القصر واجب لأن قولها فرضت يدل على أن مقدار الفرض ركعتين وكذلك لقول ابن عمر (صلاة المسافر ركعتان نزلتا من السماء فإن شئتم فردوهما) , ثم لمواظبته ص على القصر قال ابن القيم (كان صيقصر الصلاة الرباعية فيصليها ركعتين من حين خروجه من المدينة حتى يرجع ولم يثبت أنه أتم الرباعية في السفر البتة) وهو قول ابن تيمية كذلك.
أما قول السيدة عائشة (كان رسول الله ص يقصر في السفر ويتم ويصوم ويفطر) رواه الدار قطني ورواته ثقات إلا أنه معلول. فقد قال ابن القيم بعد روايته للحديث وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: وهذا كذب على رسول الله ص فإنه ثبت عنه أنه لم يتم رباعية في سفر ولم يصم فيه فرضا).
ولذا يرى الحنفية أن من صلى الفرض الرباعي في السفر أربعا فإن قعد في الثانية بعد التشهد صحت صلاته مع الكراهة لتأخير السلام وما زاد على الركعتين نفل وإن لم يقعد في الركعة الثانية لا يصح فرضه.
وقال الحنفية: القصر عزيمة والاتمام رخصة. فالرخصة خلاف الأصل وهي استثناء من القاعدة (فالأصل في صلاة المسافر ركعتان وهو العزيمة وإذا أتم فقد خالف الأصل) .
2 -وقالت المالكية: القصر سنة مؤكدة آكد من صلاة الجماعة فإذا لم يجد المسافر مسافرا يقتدي به صلى منفردا ويكره إقتدائه بالمقيم.
3 -وقال الشافعية والحنبلية: القصر جائزوهو أفضل من الاتمام.
ولذا تتفق المذاهب الأربعة أن القصر أفضل من الاتمام في السفر.
مسافة القصر
(عن أنس رضي الله عنه كان رسول الله ص إذاخرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين) (1) [4/ 39 جـ2 سبل السلام، رواه مسلم] .
المراد: إذا قصد سفر هذه المسافة لا أنه إذا خرج هذه المسافة في سفر طويل.
والفرسخ يساوي 5541 مترا والميل = 1748م.
وقد اختلف الأئمة في مسافة القصر على عشرين قولا حكاها ابن المنذر.
1 -فقالت الظاهرية استدلالا بهذا الحديث أقله ثلاث أميال ورد هذا بأن شك الراوي هل أميال أو فراسخ يمنع الأخذ به لكن يسند هذا القول حديث أبي سعيد (لأنه كان ص إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة) والفرسخ يساوي ثلاث أميال.
2 -وقال ابن حزم أقل مسافة القصر ميل واحد مستدلا بحديث موقوف على ابن عمر (إذا خرجت ميلا قصرت الصلاة) (1) [رواه ابن أبي شيبة بأسناد صحيح] . وقال ابن حزم أما أقل من ميل فلا يصح القصر فيه لأنه ص خرج إلى البقيع لدفن الموتى وخرج إلى الفضاء لقضاء الحاجة ولم يقصر.
3 -قالت الحنفية: المسافة 24 فرسخا لما أخرجه البخاري عن ابن عمر مرفوعا (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاثة أيام إلا مع محرم) قالوا وسير الابل في كل يوم ثمانية فراسخ.
4 -وقال الشافعي: المسافة 4 برد لحديث ابن عباس المرفوع (لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد. وروى البخاري من حديث ابن عباس تعليقا بصيغة الجزم(إنه سئل أتقصر الصلاة من مكة إلى عرفة؟ قال: لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف) وهذه الأمكنة بين كل واحد منها وبين مكة أربعة برد فما فوقها).
قال ابن القيم في زاد المعاد(ولم يحد ص لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر بل أطلق لهم ذلك مطلق السفر والضرب في الأرض كما أطلق لهم التيمم في كل سفر.
وأما ما روي عنه من التحديد باليوم واليومين والثلاثة فلم يصح منها شيء البتة والله أعلم, وجواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره مذهب كثير من السلف).
وقال أبو القاسم الخرقي في المغني: قال المصنف: ولا أرى لما صار إليه الأئمة من حجة لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة ولا حجة فيها مع الاختلاف. وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين:
1 -أحدهما أنه مخالف لسنة النبي ص التي رويناها ولظاهر القرآن لأن ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) .
2 -والثاني: أن التقدير بابه التوقيف (يعتمد على النصوص النبوية أو القرآنية) فلا يجوز المصير إليه بمجرد الرأي, والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر ونحن نميل إلى رأي الشافعي خاصة إذا ثبت حديث ابن عباس حسما للفوضى الدينية وسدا لذريعة التهاون.
صلاة النافلة في السفر
ذهب الجمهور إلى عدم كراهة النفل لمن يقصر في السفر لا فرق بين السنن الراتبة وغيرها, فعند البخاري ومسلم أن النبي ص اغتسل في بيت أم هانيء يوم فتح مكة وصلى ثماني ركعات.