أما الأقرأ لكتاب الله فيقدم عند أبي حنيفة وأحمد على الأفقه, ويؤيد هذا الرأي حديث عمرو بن سلمة قال: قال أبي: جئتكم من عند النبي ص حقا قال: إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنا فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين) (2) .
زاد أبو داود (قال عمرو: فما شهدت مشهدا في جرم(اسم قبيلة) إلاكنت إمامهم) وهذا الحديث يدل على أن الامام هو أكثرهم قرآنا (أكثرهم حفظا للقرآن واستظهارا له) . ويدل كذلك على صحة إمامة الصبي المميز بلا كراهة: عند الشافعي وقال مالك تصح مع الكراهة وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان والمشهور عنهما الاجزاء في النوافل دون الفرائض.
وأما رواية (سنا) فيدعمها حديث مالك بن الحويرث (ليؤمكم أكبركم) ومن الذين يستحقون التقديم قريش لحديث (قدموا قريشا) .
ملاحظات حول الامامة: تصح إمامة الصبي المميز: لحديث عمرو بن سلمة السابق وتصح إمامة الأعمى (لأن النبي ص استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يؤم الناس) (1) . وقد استخلف ثلاث عشرة مرة.
وتصح إمامة القائم بالقاعد, والقاعد بالقائم لأنه ص صلى خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا. وصلى في بيته جالسا وهو مريض وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن أجلسوا.
وتصح إمامة المفترض بالمنتفل والمنتفل بالمفترض (لأن معاذ بن جبل كان يؤمه قومه بالعشاء الآخرة بعد أن يصليها مع النبي ص أما المتنفل بالمفترض لقوله ص للرجلين الذين تأخرا عن الجماعة في مسجد الحنيف بمنى(إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الامام ولم يصل فصليا معه فإنها لكما نافلة) (1) .
وحديث محجن بن الأدرع إلا رجل يتصدق على هذا)
وتصح إمامة المتوضئ بالمتيمم والمتيمم بالمتوضئ لأن عمرو بن العاص فعلها وأقره ص وتصح إمامة المسافر بالمقيم والمقيم بالمسافر.
وتصح إمامة القاصر بالمتم بينما لا يجوز إمامة المتم بالقاصر وإذا صلى المسافر وراء المقيم صلى أربعا: لأن ابن عباس سئل عن هذا فقال: تلك السنة وتكره إمامة الفاسق: فقد روى البخاري في التاريخ عن عبد الكريم قال (أدركت عشرة من أصحاب رسول الله ص يصلون خلف أئمة الجور) .
وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج, وأبو سعيد الخدري خلف مروان, وابن مسعود خلف الوليد بن عقبة وكان يشرب الخمر وجلده عثمان, وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد وكان متهما بالالحاد والزندقة.
والأصل الذي ذهب إليه العلماء (كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره) .
إقتداء المأموم بالامام وبينهما حائل:
يجوز اقتداء المأموم بالامام وبينهما حائل إذا علم انتقالاته برؤية أو سماع قال البخاري: قال الحسن: لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر.
2 -وقال أبو مجلز: يأتم بالامام وإن كان بينهما طريق أو جدار إذا سمع تكبيرة الاحرام وقد صلى ص داخل الحجرة والناس يأتمون به خارجها.
التبليغ خلف الامام: جائز ولكن إذا سمع المأمومون الامام فإنه يكره.
الاستخلاف: إذا تذكر الامام في الصلاة أنه على غير طهارة يخرج رأسا ويستخلف غيره وكذا إذا حدث حادث للامام: فقدم عمر يوم طعن عبد الرحمن بن عوف ليؤم الناس) (1) [البخاري] .
قال أحمد (إن استخلف الامام فقد استخلف عمر وعلي وإن صلوا وحدانا فقد حدثت يوم طعن معاوية) .
وصح عن عمر أنه صلى بالناس وهو جنب ولم يعلم فأعاد ولم يعيدوا.
اعذار التخلف عن الجماعة:
1 -البرد والمطر: فعن ابن عمر عن النبي ص أنه كان يأمر المنادي فينادي بالصلاة, ينادي صلوا في رحالكم في الليلة الباردة والمطيرة في السفر) (1) [الشيخان] .
وحديث مسلم المرفوع في سفرة ماطرة (ليصل من شاء منكم في رحله) وعن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير (لا تقل حي على الصلاة: وقل صلوا في بيوتكم) .
ويقاس على البرد: الحر الشديد والظلمة والخوف من الظالم.
قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعة في شدة المطر والظلمة والريح وما أشبه ذلك مباح).
2 - (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين) (1) [حديث مرفوع رواه مسلم عن عائشة] .
3 -عن أبي الدرداء (من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ) (2) [البخاري] .
صلاة المسافر والمريض:
(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) وأن هذا الدين هو دين البشرية جمعاء مادام على الأرض بشر ومادب على الغبراء من دابة (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .
ولقد علم -جلت حكمته- فطرة الانسان فوضع لها من الشرائع ما يتفق معها وما يتسق مع تكوينها (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطرالناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فإن الحالة الطبيعية للفطرة الانسانية هي الموافقة للقرآن وهذا شيء طبيعي ونتيجة منطقية لأن الفطرة والقرآن صدرا من مصنع واحد وهما متفقان أساسا متحدان باتحاد المصدر واتحاد الهدف فلقد نزلا إلى هذه الأرض لا عمارها والقيام بوظيفة الخلافة في الأرض (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) فوظيفة القرآن والانسان -هي القيام بالقسط- أي استقامة الحياة , ومن القواعد الثابتة في هذا الدين والسنن التي لا تتغير فيه هي اليسر ورفع الحرج- فهذا الدين يرافق هذا الفطرة في مساربها وأزماتها وفي ضيقها وسعتها ويسايرها حالا مشكلاتها على جميع حالاتها و (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) .
وهذه القاعدة الأساسية في طبيعة هذا الدين (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج) نجدها منبثة في كل تكاليف الشريعة حتى أن رسول الله ص كان يعلمنا هذا عمليا بادئا بنفسه فما خير ص بين أمرين قط إلا اختار أيسر هما ما لم يكن إثما.
ونلمس هذا اليسر ابتداء من الواجبات والفرائض إلى السنن فنجده يقول (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) -وكذا الصيام- (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) . ونجده يبيح الحج عن الغير في حالة عدم استطاعة هذا الغير ثم يجيز الانابة في رمي الجمار عن النساء لازدحام الناس وصعوبة الوصول إلى الجمرات, ثم في اسقاط قضاء الصلاة عن الحائض والموازنة بين احتياجات الجسد والأهل والدين الخ ...