{يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ} (14) سورة الحديد.
وقد قص الله سبحانه وتعالى لنا خبر القرية التي كفرت بأنعم الله فكان جزاء هذه المعصية أن ابتلاهم الله بنقص في الأموال والأنفس والثمرات، وخبر القرية التي كانت حاضرة فعدوا في السبت فابتلاهم الله تعالى وقال عنهم: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (163) سورة الأعراف، والسلف الصالح رضوان الله عليهم لم تكن هذه الحقيقة تغيب عن بالهم، حتى إن بعضهم يخبر أنه يجد أثر المعصية في أهله وراحلته، والآخر يخبر أنه نظر إلى عقب امرأة فأنساه القرآن بعد
سنين، وقال مطرف:"ما نزل بي مكروه قط فاستعظمته إلا ذكرت ذنوبي فاستصغرته"، والمقصود أنه لا بد أن تكون معرفة هذه الحقيقة دافعًا لنا إلى الصبر على الابتلاء وكذلك التخلص من الذنوب ومحاسبة النفس عليها.
7ـ تذكر آثار النكوص
ربما نزل بالمرء نازلة بسبب دعواه الإيمان فسخط، وجعل فتنة الناس كعذاب الله وانقلب على وجهه فخسر الدنيا والآخرة، مع أن الإنسان لا ينفك عن أذى الناس وضرهم، فإنه إذا ارتد وانحرف وانحاز إلى صف الكافرين أو الفاسقين، تعرض للضرر والإهانة والقتل وسلب المال بأيدي المؤمنين المجاهدين، فمن لم يصبر على الأذى في طاعة الله واختار المعصية كان ما حصل له من الشر أعظم مما فر منه بكثير، سومن احتمل الهوان والأذى في طاعة الله واختاره على الكرامة والعز في معصية الله كانت له العاقبة في الدنيا والآخرة، وانقلب ما ناله من الأذى نعيمًا وسرورًا، كما ينقلب ما يحصل لأرباب المعصية من التنعم بالذنوب حزنًا وثبورًا، ولذلك صار الصبر من الدين بهذه المنزلة، إذ إن أصل الصبر لا يستغني عنه مسلم البتة، فهو محتاج إلى الصبر الذي يعينه على الدخول في الإسلام وتحمل ما يلقى في هذه السبيل، ومحتاج إلى الصبر الذي يعينه على المضي في طريق الإيمان والاستمرار والثبات على ما هو عليه، فإذا لم يصبر أوشك أن يدع دينه لأهواء الخلق المناقضة لشرع الله، هذه واحدة من آثار النكوص تذكرها يعين المرء على الثبات عند الابتلاء والصبر عليه.