والإنسان قد يكون محل أسوة عند الناس - بل هكذا يجب أن يكون الداعية، ومجرد تنازله وتخاذله يجر بالأمم من خلفه إلى هذا الطريق الرخيص الذي لا يرضي الله سبحانه وتعالى، فيكون سببًا في إغوائهم، وهذا جزء من الأمانة التي حملها الله تعالى أعناق الدعاة والمصلحين، ولنا في موقف الإمام أحمد رحمه الله في فتنة خلق القرآن أسوة حسنة, إذ أبى أن يتراجع، لا بل أبى أن يتأول القرآن كي لا يسيء العامة فهم موقفه فيكون سببًا في إغوائهم وإضلالهم، وعلى فرض أنه لم يكن مكان قدوة في أعين الناس، فإن نكوص المرء يفت من عزم إخوانه الصابرين ويزعزع موقفهم، وكلما نكص واحد فكأنما هي طعنات توجه إلى أجساد الصابرين الثابتين، ومن
زاوية أخرى فإن تخاذل الإنسان وقت الابتلاء يغري أمثاله على التخاذل، والذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم بعد، بل قد يكون هذا الابتلاء هو أول اختبار لهم، وهم يحاولون التصبر، فيكون تخاذل أحدهم دافعًا للآخرين كما أن صبر الأفراد يقوي العزائم، ويشد الأزر، ويعين على المسير في طريق الثبات.
ـ ومن آثار النكوص:
-الحسرة والندامة التي تهجم على القلب، وقد تقعد عن العمل لما ينكشف البلاء ويفرح الثابتون الصابرون بفضل الله، ويندم المتخاذلون على ما فرطوا فيما فتح لهم من أبواب الخير والفضل وكرامة الله.
-ضعف الإيمان والاستمرار في تقديم التنازلات، بل قد يجد المرء صعوبة بالغةً في استعادة مستواه الإيماني والعودة إلى ما كان عليه من الفضل والخير فيصاب بالفتور، ويكون معرضًا أكثر من ذي قبل للانهزام في أي امتحان إلا من رحم ربي، وقد تكون النتيجة النهائية هي الانحراف عن سبيل الله والعياذ بالله.
-تسلط أعداء الله على عباد الله لما يرون من ضعفهم وتخاذلهم واحدًا بعد الآخر، فيسلطون عليهم شتى أنواع البلاء بالسراء والضراء، ولكنهم إن صبروا وثبتوا على الحق والهدى فإن كل لحظة تمضي وهم كذلك أغيظ لقلوب الأعداء وأطول عليهم من سنين متواصلة، وهذا بحد ذاته نصر، ولعله يكون عاجل بشرى المؤمن.
-غضب الله وسخطه وأليم عقابه.