فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 349

ويضعف لنا الأجر) قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاءً؟ قال (الأنبياء) قلت يا رسول الله: ثم من؟ قال: (ثم الصالحون، وإن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء) .

نعم إن الابتلاء هو قدر الله لخيار هذه الأمة، وهو علامة على صحة المسار، وإدراك هذا له أعظم الأثر في حصول الثبات بل والفرح بالابتلاء كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال مالك:"إن محمد بن المنكدر لما ضرب، فزع لضربه أهل المدينة، فاجتمعوا إليه، فقال (لا عليكم، إنه لا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر"، وكذلك فإن الابتلاء هو طريق الإمامة في الدين، قيل للشافعي:"أيهما أفضل للرجل: أن يبتلى أو يمكن؟ قال(لا يمكن حتى يبتلى) "، وقد قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (24) سورة السجدة.

ـ قال بعض العلماء:"بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين".

إن المؤمن كلما ازداد تمسكه بهذا الدين، وصبره على تكاليفه ازدادت تبعًا لذلك، شدة الابتلاء والفتنة عليه من قبل أعداء هذا الدين، حتى ينتصر هذا المؤمن بأي صورة من صور النصر، أو ينتصر الأعداء بزحزحته عن دينه أو فتنته عن بعض شرائعه، ولا انتصار لهم إلا بهذا.

6ـ قد يكون البلاء عقوبة على ذنب

وهذا يقع كثيرًا، وقد يكون الابتلاء بدون ذنب إنما المقصود منه رفع الدرجات وتحقيق الإيمان، وهنا تبرز أهمية محاسبة النفس التي أشرنا إليها سابقًا فإذا وقع فلا بد أن يسأل المرء نفسه عن ذنب ارتكبه، ويربط هذا الابتلاء بذاك الذنب وكأنه عقوبة عاجلة، وهذا يدفع المرء إلى التوبة كما يدفعه إلى الثبات عند الابتلاء لأنه يعلم أن هذا الابتلاء إنما هو بسبب ما اقترفته يداه فيكون أدعى للصبر،

قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} (165) سورة آل عمران, وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (30) سورة الشورى، وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} (79) سورة النساء، كل هذه الآيات تدل على أن المصائب والابتلاء الذي ينزل بالعبد إنما هو بما كسبت يده، فكأنما هو الذي أوقع نفسه بالبلاء، وكأنما هو الذي فتن بنفسه، وقد جاء التعبير بهذا المعنى في قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت