وقريبًا من ما مضى نال أيضًا أتباع الأنبياء ومن سار سيرهم، وبعض هؤلاء الأنبياء ذكرتهم سورة العنكبوت إجمالًا، وهي التي افتتحت بذكر وقوع الابتلاء على الأمم السابقة.
إن إدراك هذه الحقيقة (الابتلاء سنة ماضية) وإدراك حقيقة الصراع بين الحق والباطل، لمن أقوى العوامل المعينة على الصبر والثبات، لأن المؤمن يدرك أن هذا قد جرى على من قبله، بل أكثر منه، فصبروا فكان لهم من الله الأجر العظيم، ولهم في الدنيا الذكر الحسن، حتى صاروا قدوة لمن بعدهم، وهذا كله يجعل العبد أكثر إصرارًا على السير في طريقهم، واللحوق بركبهم، والصبر كصبرهم.
هذه هي قافلة الابتلاء فاختر أن تكون من أهلها أو لا تكون.
5ـ الابتلاء قدر الله لخيار هذه الأمة
من رحمة الله بعباده المؤمنين أن يسلط عليهم البلاء، ثم يرزقهم الثبات، لينالوا عنده الأجر العظيم، وهو سبحانه يربيهم بالمحن والشدائد ويصفي قلوبهم من الداخل والغل والغش، وكلما خرجوا من محنة أو فتنة بالصبر والثبات والإصرار قيض لهم أخرى أشد منها بعد أن وعوا درس المحنة الأولى، وأفادوا منه وارتقى مستوى إيمانهم ويقينهم، ولو أنهم ابتلوا بالمحنة الآخرة أولًا لربما ضعفوا أو تزعزعوا، ولكن الله تعالى يدرجهم فيها صعدًا، ليتنامى إيمانهم ويقوى ويزداد، وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه المعاني لأصحابه بيانًا قويًا مكررًا في مناسباته، لأنهم كانوا في أشد الحاجة إليه، حيث إنهم حملة رسالة الإسلام أول مرة، والمضحين في سبيلها والمبتلين من أجلها، وكانوا مع هذا أحب الأمم إلى الله وأقربها إليه زلفى، وأعظمها عنده قدرًا.
عن سعيد بن أبي وقاص - رضي الله عنهم - قال: (قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة) ، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنهم - قال: (دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يوعك فوضعت يدي عليه فوجدت حره في يدي فوق اللحاف، فقلت يا رسول الله: ما أشدها عليك؟ قال: (إنا كذلك يضعف لنا البلاء