فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 349

وما أحسن قول الشافعي - رحمه الله - في وصف الدنيا:

وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابا

فإن تجنبتها كنت سلمًا لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها

وأحسن منه ما رواه جابر - رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مر بالسوق والناس كنفتيه فمر بجدي أسك ميت فتناول فأخذ بأذنه ثم قال: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ ثم قال: (أتحبون أنه لكم؟) قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه لأنه أسك, فكيف وهو ميت؟ فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم).

أترى عاقلًا وقد حلف له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هوان الدنيا عند الله يختار هذه الدنيا الهينة عندما يصيبه الابتلاء؟ إن وصف الدنيا بهذا الهوان لمن أعظم الدوافع للزهد فيها والصبر عند فراقها، وهذا يؤدي بالتالي إلى الثبات عند البلاء والصبر في مواجهته.

ونختم الحديث عن الزهد في الدنيا بقول أحد العقلاء: (إن الدنيا مثل ظل الإنسان إن طلبته فر وإن تركته تبعك) ، إن الدنيا التي اطلبها تشبه الظل الذي يمشي معك:

أنت لا تدركها متبعًا ... وهي إن وليت عنها تبعتك

وكلنا يتذكر قصة كعب بن مالك - رضي الله عنه - وكتاب ملك غسان، وما كان - رضي الله عنه - ليفعل ما فعل لولا أنه كان زاهدًا في الدنيا وجاهها.

ـ خامسًا: استشعار الفقر إلى الله والحاجة إليه: وهذا يملأ القلب بالتقوى ويعين على تحمل البلوى ورفع الشكاية إلى الله وحده، وكذلك يستشعر الإنسان أن الله لو وكله إلى نفسه لوكله إلى ضعف ونقص، قال تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} (74) سورة الإسراء، فالمؤمن لا يستغني عن تثبيت الله له لأنه مفتقر إليه، وإذا تخلى الله عنه فإنه سيركن إلى الباطل وأهله وينهزم في بداية المواجهة مع الابتلاء، والمخذول من خذله الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت