(ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أنى رحت فهي معي لا تفارقني، سجني خلوة، وقتلي شهادة، وفيي من بلدي سياحة) .
وقبل شيخ الإسلام، الإمام أحمد لما خرج من السجن بعد سنين، وأرسل له أمير المؤمنين أموالًا إكرامًا له، فقال: (لهذه - أي الأموال - أشد علينا من تلك - أي الحبس في فتنة القول بخلق القرآن - ثم فرق الأموال ولم يبت وعنده منها شيء) . إنه الزهد فحسب، نعم الزهد الذي يعين على تحمل البلاء والصبر عليه في ذات الله.
والله سبحانه وتعالى قد قص علينا في كتابه العزيز ما يدل على ذلك قال تعالى حكاية عن سحرة فرعون لما أسلموا: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى - إِنَّهُ مَن يَاتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى - وَمَنْ يَاتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى - جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى} سورة طه، الله أكبر، انظر كيف يفعل الإيمان
وانظر كيف يفعل الزهد، هذا الثبات في مواجهة العذاب والقتل من طاغية الزمان، الذي يعرفونه جيدًا، يقع من أناس لم يسلموا إلا للتو ّ، فكيف بمن عمره في الإسلام سنون؟!.
ألا وإن من أعظم ما يربي الإنسان على الزهد: إطلاعه على أخبار الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - وأحاديثه في هذا الشأن ومنها وصفه - صلى الله عليه وسلم - في حديث عظيم، ارع له سمعك وفرغ له ذهنك وتدبره واعتبر به فقد قال - صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا بن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بوسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا بن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط) ، وبناءً على هذا فإن من يضعف وينهزم ويتخاذل أمام الابتلاء طمعًا في الدنيا وحرصًا عليها، وبخلًا على نفسه من لقاء ربه والسعد بجنته سوف ينسى كل نعيم حصل له في الدنيا من جراء هذا التخاذل من أول غمسة في العذاب، فاختر لنفسك أيها اللبيب ما شئت.