(( أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً؟ فَقَالَ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ. فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ. قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ ) ).
قَالَ الْحَكَمُ: وَحَدَّثَنِيهِ ابْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ حَدِيثِ ذَرٍّ قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ عَنْ ذَرٍّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَ الْحَكَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: (( نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ ) ).
قلت: فهل هذه المسألة التي اختلف فيها عمر وعمّار مثل مسألة حذيفة مع ابن مسعود؟!
وابن مسعود إنما تبع عمر في رأيه. وعمر لم يتذكر القصة التي ذكرها عمّار فقال له ما قال، ومع ذلك لم يمنعه من التحديث به لقوله: (( نوليك ما توليت ) )، أي: لا يلزم من كوني لا أتذكره أن لا يكون حقًا في نفس الأمر، فليس لي منعك من التحديث به.
وهذه القصة حُجّةٌ على حلبي، لا حُجة له، بصرف النظر عمّن معه الحق! وهي إنما تدلّ على أن الصحابة كانوا يتحاورون فيما بينهم، ويأتون بالأحاديث المرفوعة في استدلالتهم، ولكن في قصة حذيفة لم يحاور ابن مسعود ولم يأتيه بشيء مرفوع، وسكت عندما قال له: (( لعلك أخطأت وأصابوا ) )!
6 -ثُمّ إن هذه القصة إنما وضّح فيها ابن مسعود سبب كراهيته لذلك، وهي تساهل الناس في ترك استعمال الماء والتيممم! وقد ذكر ابن حجر في (( فتح الباري ) )أن ابن مسعود رجع عن هذه الفتوى في الموضع نفسه الذي ذكره حلبي، فقال:"وأما ابن مسعود فلا عذر له في التوقف عن قبول حديث عمار، فلهذا جاء عنه أنه رجع عن الفتيا بذلك كما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد فيه انقطاع عنه" [1] 6).
7 -قوله:"والحق الذي لا محيد عنه ..."! هو حقّ في نظره! لا في نظر غيره! وحلبيّ دائم الافتراء في نظائر هذا! فهو دائم القول في آرائه:"والحق، ولا حق سواه"! فالحق دائمًا معه! {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 78] ، {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] .
(1) فتح الباري: (1/ 457) .