والحق الذي لا محيدَ عنه أن ظاهر الحديث هو الأولى بالأخذ والأحرى بالاتباع؛ ولا مجال - ألبتة - لفهمه فهمًا آخر يقيِّده، أو يخصصه دونما دليل أو برهان، فقد قيل: (( الألفاظُ قوالبُ المعاني ) )والمعنى في الحديث ظاهرٌ جدًا في لفظه، بَيِّنٌ جدًا في معناه، ومما يزيدُهُ جلاءً ووضوحًا عمل بعض السلف به كما تقدم.
فإن قيل: فلماذا سكت حذيفة عن جواب ابن مسعود؟ قلت: لأن الحجة النبوية - لا شك - قارعةٌ التوقع والاحتمال، فلم يبق - إذن - لهما مجال في ذهن حذيفة، وهو الذي حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلَّغ ما حفظه! فكيف يجيب على توقُّع هو جازمٌ بخلافه؟! فمجرّد إصراره وحرصه على رواية الحديث لأكبرُ جواب وأبلغ رد!"انتهى."
قلت: لا أدري ما الذي حَشر (حلبي) بين صحابيين كبيرين، يوجّه كلامهما! ويصحح! وينتقد! ويُعرِّض! ويعطي لأحدهما أجرًا على الاجتهاد! و .. و .. ؟!
1 -المسألة ليست مسألة المفاضلة بين الصحابة في الفهم، ولا مدخل لفهم ابن مسعود فيها كما صوّرها حلبي!! وإنما هو فهمٌ لحذيفة من حديث: (( لا تشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد ) )، ففهم حذيفة منه أن الاعتكاف يكون في هذه المساجد الثلاثة لأفضليتها.
2 -الحديث لم يصح مرفوعًا! ولو صحّ مرفوعًا لما ناقش فيه ابن مسعود.
3 -قول حلبي:"إننا لسنا متعبدين بفهم أحد كائنًا من كان، سواء أكان ابن مسعود أم غيره، إنما نحن تعبدنا بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه"، صحيح في الجملة، وإن كنا نعارض سوء أدبه مع الصحابة بهذا الإطلاق!!
وهذا النص ليس بثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم تلزمنا بفهم حذيفة؟! ألأنه صحيح عندك؟ وهو عند غيرك ليس بصحيح، بل هو معلول، وهو من اجتهاد حذيفة وفهمه، فلا يُلزمنا فهمه كما جزمت أنت!
قال الشوكاني في (( نيل الأوطار ) ) [1] 3):"قال عبدالله: (فلعلهم أصابوا وأخطأت) فهذا يدلّ على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أن عبدالله يخالفه، ويجوز الاعتكاف في كلّ مسجد، ولو كان ثَمَّ حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم"
(1) نيل الأوطار: (4/ 360) .