الصفحة 36 من 53

ثانيًا: تقديم فهم ابن مسعود على فهم حذيفة:

قال حلبي:"فإن قيل: أليس ابن مسعود أفقه من حذيفة؟ فينبغي تقديمُ فهمه على فهمه!"

فالجوابُ أن يُقال: ليس شكٌّ [كذا! وهو خطأ، والصواب: شكًّا] أن ابن مسعود أفقه؛ ولكن هذا لا يغضُّ من فهم حذيفة ودقة حفظه! كيف لا؟ وهو (( صاحب السر ) )كما وصفه الحافظ الذهبي في (( سير أعلام النبلاء ) ) (2/ 361) ووصفه أيضًا بأنه (( من نُجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ) )!

ثم إنه من المعروف أن ليس شرط الفقيه أن يصيب في كل مسألة، خاصة إذا كان ظاهر النص يخالف فقهَه وفَهْمَهُ!

زد على ذلك أننا لسنا مُتعبّدين بفهم أحد كائنًا من كان، سواءٌ أكان ابن مسعود أم غيره، إنما تُعُبِّدنا بنصِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه!

ومما يؤيد هذا من سيرة الصحابة ما رواه البخاري (346) ، ومسلم (368) أن شقيق بن سلمة قال: (( كنت جالسًا مع عبدالله بن مسعود، وأبي موسى، فقال أبو موسى: أرأيت يا أبا عبدالرحمن لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا! كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبدالله: لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهرًا، فقال أبو موسى: فكيف تصنعُ بقول عمّار حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( كان يكفيك ) )قال: ألم ترَ عمر لم يقنع بذلك؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية {فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيدًا طيبًا} [المائدة: 6] ؟. فما دَرَى عبدالله ما يقول، فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا بَرَدَ على أحدهم الماءُ أن يدعهُ ويتيمَّم! فقلت لشقيق: فإنما كره عبدالله لهذا؟ قال: نعم )) .

قلت: فهل نترك الآية وحديث عمّار لفهم ابن مسعود ورأيه؟؟ لذا فقد قال الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري ) ) (1/ 457) : (( وأما ابنُ مسعود فلا عذر له في التوقف عن قبول حديث عمّار ) ).

وكذا نقول هنا: لا عُذرَ لابن مسعود رضي الله عنه في عدم قبول حديث حذيفة! لكنه اجتهادٌ منه رضي الله عنه، له عليه أجرٌ واحدٌ إن شاء الله!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت