فقول ابن مسعود لا يمكن أن يكون بمعنى الترجي والتمني الذي اختاره حلبي! وهو هنا بمعنى إما الاستفهام، أي: لعلك أخطأت ذلك مستفهمًا، أو يكون بمعنى الظن، يقول: أظن وأرى أنك أخطأت وأصابوا.
ب- قال حلبي:"ثم هذا الاحتمال قسمه ابن مسعود إلى وجهين:"
1 -نسيان أو خطأ حذيفة.
2 -حفظ أو صواب القوم المعتكفين.
فما هو المرجِّح لأحد هذين الاحتمالين؟
ليس من شكٍّ أن المرجح هو الحجة والدليل! فمن هو صاحب الحجة؟ أهو حذيفة الذي جزم بنسبة الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم دونما تردد أو شك؟ أم ابن مسعود الذي وضع احتمالات وتوقعات ليس فيها شيء نبوي مجزومٌ به؟!
(( وابن مسعود رضي الله عنه كان يعلم - وهو يردُّ على حذيفة - أن أصحابه المعتكفين كانوا وفرة وجماعة، وأن حذيفة فردٌ واحدٌ، لكنه علم في قرارة نفسه - بدليل شكّه وتردده - أن حذيفة حفظ، وهو لم يحفظ، وأن جماعة المعتكفين لا يُعوَّلُ عليهم في ذلك كما يعوَّل على حذيفة، وإلا لرجع إليهم بالسؤال عن اعتكافهم ) ).
ثُم وجهٌ آخر في الجواب عن هذه الشبهة: هو أن قول ابن مسعود رضي الله عنه في ردّه على حذيفة ليس نصًّا في تخطئة حذيفة في روايته للفظ الحديث، إنما قد خطَّأه في فهم الحديث واستدلاله به على العكوف الذي أنكره حذيفة، بدليل قول حذيفة له: (( وقد علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ) ). ثم ذكره، فابن مسعود يعلم الحديث - كما قال له حذيفة - ووافقه ابنُ مسعود، لكنَّه يُخالف حُذيفة في فهمه!". انتهى."
وقال في الحاشية:"فيكون رضي الله عنه قد فهمه بمعنى: (( لا اعتكاف كاملًا إلا في المساجد الثلاثة ) )، فلا مجال لفهمه فهمًا آخر يُغاير ظاهره سوى هذا الفهم!! ولكنه - حقًّا - فهمٌ منقوضٌ من الناحية اللغوية، إذ من المتفق عليه أن الأصل في الكلام الظاهر، ولا يدفع الظاهر إلا بدليل، ولا دليل هنا يُخرج نفي جنس الاعتكاف"