وعمومًا فهذه القصة باطلة، ولا تصح نسبتها إلى الإمام مالك، ولهذا أخرجها الإمام الدارقطني في (( غرائب مالك ) )، وهو كتاب جمع فيه الدارقطني ما رُوي عن الإمام مالك ولا يصح عنه في مُجمله.
وأما قول ابن حجر في (( التلخيص ) ) [1] 0):"وفي إسناده ابن لهيعة، لكن تابعه الليث بن سعد وعمرو بن الحارث، أخرجه البيهقي وأبو بشر الدولابي والدارقطني في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة، وصححه ابن القطان"، فهو مما لم يحرره ابن حجر، ومشى فيه على ظاهر الإسناد تبعًا لابن القطان الفاسي!
5 -تشبيهه هذه القصة بحديث الاعتكاف الذي صححه لا يستقيم بعد أن عرفنا عدم صحتها.
فقوله:"ليس الناس على ذلك"؛ لأن هذا هو الصواب، لا أن الناس لا يعرفون هذه السنة، ولو صحت قصة ابن وهب مع مالك ما أظنه يذهب إلى هذا الحديث ويترك عمل أهل المدينة الذين لا يعرفون هذا الحديث، ونحن نعلم ارتكاز الإمام مالك على عمل أهل المدينة في مسائل الفقه.
ولعل مُتوهمًا يتوهم أن الإمام مالك يردّ السنّة، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الإمام مالكًا له منهجه الخاص في هذه المسائل، وهو اتباع عمل أهل المدينة، وقد وهم ابن أبي حاتم في ترجمته لهذه القصة بقوله: (باب ما ذكر من اتباع مالك لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزوعه عن فتواه عندما حدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه) !
فالإمام مالك من أشد الناس اتباعًا لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل أهل المدينة عنده هو اتباع هذه الآثار، فلا تصلح هذه القصة لهذه الترجمة؛ بل إن هذه الترجمة لا ينبغي أن تذكر؛ لأنّ كلّ فتاوى الإمام رحمه الله اتباع للآثار كما ذكرت.
6 -قوله:"عندنا في ذلك سنة"! أيّ سنة هذه التي كانت غائبة إلى أن جاء (حلبي) فدلّ الناس عليها؟!
وما أشبه فعله هذا بقوله لدى ردّه على الدكتور سلمان العودة لكونهِ أثنى على كتاب سيّد قطب - رحمه الله - (( في ظلال القرآن ) ).
(1) التلخيص الحبير: (1/ 94) .