المطلب الثالث: مناقشة (عليّ حلبيّ) في تعليقه على هذا الحديث:
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: المغالطات الفاسدة، وبيان نكارة قصة منسوبة للإمام مالك:
نقل (حلبي) مذاهب أهل العلم في هذه المسألة، وذكر قول الجصاص في (( أحكام القرآن ) ):"وظاهر قوله {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ، ومن اقتصر به على بعضها، فعليه بإقامة الدلالة. وتخصيصه بمساجد الجماعات لا دلالة عليه. كما أن تخصيص من خصَّه بمساجد الأنبياء لما لم يكن عليه دليلٌ سقط اعتباره"!! إلى أن قال:".. فغير جائز لنا تخصيص عموم الآية بما لا دلالة فيه على تخصيصها".
قال الحلبي (ص29) معقبًا على هذا:"قلت: رحم الله الإمام الشافعي القائل: (( وليس يُخالف الحديثُ القرآن، ولكن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبين ما أراد: خاصًا وعامًا، وناسخًا ومنسوخًا، ثم يلزم الناس ما سُنَّ بفرض الله، فمَنْ قَبِلَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله قَبِلَ ) )."
ولقد وَرَدَ - ولله الحمد والمنة - حديثٌ نبويٌّ مرفوع صحيحٌ يخصص الآية المذكورة، ويحلُّ النّزاع الذي أوردناه بين أهل العلم لعدم وقوفهم على حديث يخصص الآية كما قالوا!
ولقد قال الإمام الشافعي - رحمه الله: (( ما من أحد إلا وتذهب عليه سنةٌ لرسول الله وتعزُب عنه، فمهما قلت من قول: أو أصلت من أصل، فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقولُ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولي ) ).
وهذا هو المنهج العملي لسائر الأئمة - رحمهم الله -؛ فقد قال ابن وهب: سمعت مالكًا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك عليه الناس، قال: فتركته حتى خفَّ الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة! فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليثُ بن سعدٍ، وابنُ لَهيعة، وعَمرو بن الحارث، عن يَزيد بن عَمرو المعافري، عَنْ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ القرشيّ، قَالَ: (( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْلُكُ بِخِنْصَرِهِ ما بينَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ ) ). فقال: إنّ هذا