وهذا لا يعني أني لا أحبذ لهما الطهارة، كلا وألف كلا، بل: الطهارة الكاملة لهما أفضل وأحسن، وأيضًا ترجيحنا لهذا المذهب لا يعني أننا لا نحترم أهل العلم القائلين بالمنع، ولا يعني-أيضًا-أننا لا نقدر أقوالهم، أو: أننا نتهمهم بالجهل حاشا وكلا.
فلولاهم لصرنا كالبهائم، إلا أن هذه المسألة اجتهادية، الفيصل فيها النص الصحيح الثابت في السنة الصحيحة، وليس قول فلان وعلان وتلان، فالانقياد إذن لِقول الله وقول رسوله لا غير [1] .
وقد أخالف من لا أبلغ شأوهم، ولا أسبق ركبهم من أهل المذاهب الفقهية متى خالف قولهم الدليل-اتباعًا للدليل الصحيح- (والعلم بدليله لا بقائله) .
فالحق أحق أن يتبع، فكل يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب العصمة محمد بن عبد الله-عليه الصلاة والسلام.
قال الإمام مالك بن أنس-رحمه الله تعالى-: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) [2] .
وقال أيضًا: (ليس أحد بعد النبي-صلى الله عليه وعلى آبه وصحبه وسلم-إلا ويؤخذ من قوله ويترك [3] ؛ إلا
(1) -انظر: مقدمة رسالة (اللباب في فرضية النقاب) (ص:37) ومقدمة شيخي الصابوني لكتابه: (روائع البيان) (ص:12) ، الطبعة الأولى بتاريخ: الثلاثاء 18 صفر، سنة: 1420 هـ.
(2) 2 - انظر: (الجامع) لابن عبد البر (2/ 32) ، وعنه ابن حزم في (أصول الأحكام) (6/ 146) ، وكذا الفلاني في (الإيقاظ) (ص:72) . من حاشية (صفة الصلاة) للألباني (ص:48) .
(3) -وقد قلت في هامش كتابي:"الإتحاف""ص:466/ 467": وقد ورد عن الأئمة الأربعة:
1 -أبي حنيفة،
2 -ومالك،
3 -والشافعي،
4 -وأحمد،
أقوال تحض أتباعهم والمقتدين بهم بالأخذ والعمل بالحديث واتباعه، وترك أقوالهم وآرائهم المخالفة له، وهذه بعضها:
1 -قال الإمام أبو حنيفة-رحمه الله-: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) . ونقل ابن عابدين في (حاشيته) (1\ 63) ، و (رسم المفتي) (1\ 4 - من مجموعة رسائل ابن عابدين) عن (شرح الهداية) : (إذا صح الحديث-وكان على خلاف المذهب عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه ولا يخرج مقلده عن كونه حنفيًا بالعمل به فقد صح عن أبي حنيفة أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي) . انظر: (إيقاظ الهمم) (ص:62) ، و (صفة صلاة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-) للمحدث الألباني (ص:22) .
وقال أيضًا: (لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) . وفي رواية: (حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي) ، زاد في رواية: (فإننا بشر نقول القول اليوم، ونرجع عنه غدًا) .
وفي أخرى: (ويحك يا يعقوب!"وهو أبو يوسف"لا تكتب كل ما تسمع مني، فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا وأتركه بعد غد) .
وقال أيضًا: (إذا قلت قولًا يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فاتركوا قولي) . انظر: (الإيقاظ) للفلاني (ص:50) ، و (الميزان) للشعراني. (1\ 26) ، و (صفة صلاة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) (ص:23\ 24) .
2 -قال الإمام مالك-رحمه الله-: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) . وفي رواية أنه قال: (ليس أحد بعد النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إلا ويؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) .
انظر: (إرشاد السالك) (1\ 227) ، و (الجامع) لابن عبد البر (2\ 32\91) ، و (أصول الأحكام) (6\ 149) ، و (فتاوى السبكي) (1\ 148) ، و (مسائل الإمام أحمد) لأبي داود (ص:276) ، و (مقدمة الجرح والتعديل) (1\ 31\32) ، و (صفة صلاة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) (ص:24) .
3 -قال الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-: (كل حديث عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني) ، وفي رواية أنه قال: (ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وتعزب عنه، فمهما قلتُ من قول، أو: أصلت من أصل، فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-خلافُ ما قلت، فالقول ما قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وهو قولي) ، وفي أخرى أنه قال:
(إذا رأيتموني أقول قولا، وقد صح عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-خلافه، فاعلموا أن عقلي قد ذهب) ، وفي رواية أنه قال: (كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنه في حياتي وبعد موتي) .
انظر: (تاريخ دمشق) (15\ 1\3) لابن عساكر، و (إعلام الموقعين) (2\ 363\364) ، و (الإيقاظ) (ص:100\ 104) ، و (الحلية) (9\ 107) ، وقد توسع في تخريج هذه النقول الطيبة المحدث الألباني في: (صفة صلاة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) (ص:26\ 27) .
4 -قال الإمام أحمد-رحمه الله-: (لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا) . وفي رواية: (لا تقلد دينك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وأصحابه فخذ به، ثم التابعين بعد، الرجل فيه مخير) .
وقال مرة: (الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وعن أصحابه، ثم هو من بعد التابعين مخير) ، وفي رواية أخرى: (من رد حديث رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فهو على شفا هَلَكة) .
وفي مثل هذا يقول الإمام الطحاوي: (لا يقلد إلا عصبي أو: غبي) . نقله ابن عابدين في (رسم المفتي) من (مجموعة رسائله) (1\ 32) .
انظر: (الإيقاظ) (ص:113) ، و (إعلام الموقعين) (2\ 302) ، و (مسائل الإمام أحمد) لأبي داود (ص:276\ 277) ، و (جامع العلوم) (2\ 149) ، و (صفة صلاة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) (ص:28\ 29) .