الصفحة 32 من 90

ـ الثاني: خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع، مثل قيامه على أهله و ولده، إلى تكاليف أخر ... ، فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلا عنها، و قاطعا بالمكلف دونها، و ربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنهما، و ذلك أن المكلف مطالب بأعمال ووظائف شرعية لا بد له منها، و لا محيص له عنها. يقوم فيها بحق ربه تعالى، فإذا أوغل في عمل شاق فربما قطعه عن غيره، و لا سيما حقوق الغير التي تتعلق به، فيكون عبادته أو عمله الداخل فيه قاطعا عما كلفه الله به، فيقصر فيه، فيكون بذلك ملوما غير معذور، إذ المراد منه القيام بجميعها على وجه لا يخل بواحدة منها، و لا بحال من أحواله فيها. ذكر البخاري عن أبي جحيفة قال: آخى النبي صلى الله عليه و سلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء و هي زوجه متبذلة، فقال لها: ما شانك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما، فقال له: كل فاني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان من الليل ذهب أبو الدرداء يقوم فقال: نم. فنام ثم ذهب ليقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم ألان فصليا، فقال له سلمان: (إن لربك عليك حقا، و لنفسك عليك حقا، و لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه) فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فذكر له ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صدق سلمان) . و قوله صلى الله عليه و سلم لمعاذ: (أفتان أنت؟ أو فاتن أنت؟ ثلاث مرات، فلولا صليت بـ(سبح اسم ربك الأعلى) و (الشمس و ضحاها) و (الليل إذا يغشى) فإنه يصلي وراءك الكبير و الضعيف و ذو الحاجة. و كان الشاكي به رجل أقبل بناضحين، و قد جنح الليل، فوافق معاذا يصلي، فترك ناضحيه و أقبل إلى معاذ، فقرأ سورة البقرة و النساء، فانطلق الرجل ... انظره في البخاري، و كذلك حديث (إني لأسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي ... الحديث) أهـ مختصرا من الموافقات.

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الدين يسر، و لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا و قاربوا و أبشروا و استعينوا بالغدوة و الرّوحة و شيء من الدلجة) رواه البخاري.

والسداد: إصابة الهدف أو الاستقامة والإصابة في جميع الأقوال والأعمال لأحسن ما أنزله الله إلينا ..

والمقاربة: أن يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه، لكن بشرط أن يكون مصمما على قصد السداد وإصابة الغرض ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت