لقد جمعت هذه العقيدة صهيبًا الرومي وبلالًا الحبشي وسلمان الفارسي وأبا بكر العربي القرشي تحت راية واحدة، راية الإسلام، وتوارت العصبية، عصبية القبيلة والجنس والقوم والأرض وهاهو مربي هذه الأمة وقائدها عليه الصلاة والسلام يعلم ويربى إذ يقول لخير القرون كلها مهاجرين وأنصار: (دعوها فإنها منتنة) ... وما هي؟ صيحة نادى بها أنصاري: ياللأنصار، وردَّ مهاجري: ياللمهاجرين فسمع ذلك رسول الله وقال: (ما بالُ دعوى جاهلية؟) قالوا: يا رسول الله كسَعَ رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: (دعوها فإنها منتنة) [1] .
حقًا إنها منتنة ...
وقال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية) [2] .
فانتهى أمر هذا النتن، وماتت نعرة الجنس واختفت لوثة القوم ... ومنذ ذلك اليوم لم يعد وطن المسلم هو الأرض، وإنما وطنه هو دار الإسلام تلك الدار التي تسيطر عليها عقيدته وتحكم فيها شريعة الله وحدها [3] .
روى ابن هشام [4] : (أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال لسعيد ابن العاص - ومر به: إني أراك كأن في نفسك شيئًا أراك تظن أني قتلت أباك! إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله ... ولكنى قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإني مررت به، وهو يبحث بحث الثور بروقه - أي بقرنه - فَحِدْتُ عنه ... وقصد له ابن عمه عليُّ فقتله) .
قتل عمر خاله، وقتل على ابن عمه ... في سبيل الله، إنه الانتماء إلى مجتمع العقيدة الذي ذابت فيه العصبيات كلها، وانتهت رواسبها في مجتمع الطهر والتجرد ...
إذ غزوة بدر قاتل فيها القريب قريبه، ولما خرج للمبارزة في هذه الغزوة بعض الأنصار ... نادى منادي قريش: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ... ولما خرج حمزة
(1) صحيح البخاري: 48/ 648، ح 4905.
(2) صحيح مسلم: كتاب الإمارة، ح 3/ 1476، ح 1848.
(3) انظر: معالم في الطريق، ص 143، وماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص 142.
(4) السيرة النبوية: 1/ 636.