عرفنا في الفقرة السابقة قوة العصبية في المجتمع الجاهلي وسنرى الآن كيف غير الإسلام هذه الروح، إذ بدأ بغرس ربطة الدين، ووشيجة العقيدة، وهى أساس كل تغيير.
"إن الوشيجة التي يتجمع عليها الناس في هذا الدين، ليست وشيجة الدم والنسب، وليست وشيجة الأرض والوطن، وليست وشيجة القوم والعشيرة، وليست وشيجة اللون واللغة ولا الجنس والعنصر، ولا الحرفة والطبقة إنها وشيجة العقيدة".
"أما الوشائج الأخرى"فقد توجد ثم تنقطع العلاقة - بين الفرد والفرد ... - يبين الله لنوح عليه السلام لماذا لا يكون ابنه من أهله {إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} ، فوشيجة الإيمان قد انقطعت بينكما {فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} إنه ليس من أهلك ولو كان هو ابنك من صلبك" [1] ."
"وامرأة فرعون التي طلبت من ربها أن ينجيها من فرعون وعمله وأن ينجيها من القوم الظالمين إنها امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية وقفت وحدها في وسط ضغط المجتمع وضغط القصر وضغط الملك وضغط الحاشية ورفعت رأسها للسماء! إنه التجرد الكامل من كل هذه المؤثرات والأواصر" [2] .
وفي الحديث الشريف: (من قاتل تحت راية عُمِّيَّة يغضب لعصَبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتل فقِتْلةٌ جاهليةٌ) [3] ، والعمية هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه.
وقال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} .
قال أهل العلم في سبب نزول هذه الآية: إنها نزلت في أبي عبيدة حين قتل أباه يوم أحد، وفي أبي بكر حين دعا ابنه للمبارزة يوم بدر، وفي عمر حيث قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر، وفي علي وحمزة حين قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر [4] .
(1) في ظلال القرآن: 4/ 1886، 6/ 3622.
(2) في ظلال القرآن: 4/ 1886، 6/ 3622.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/ 238.
(4) أسباب النزول للواحدي، ص 236، وتفسير ابن كثير (8/ 79) نقلًا عن كتاب الولاء والبراء ص 228.