العصبية راسخة الجذور في الجزيرة العربية:
والمتتبع لحروب الردة، يجد أن سواد الأعراب لم يدخل الإيمان قلوبهم، ولقد وصفهم القرآن بذلك: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا ولَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ولَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وإن تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} .
"هولاء الأعراب وقف معظمهم من الدين الإسلامي بالذهنية المغلقة المتعصبة التي لا تدرك معنى الدين؛ {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا ونِفَاقًا وأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ} ".
"كانوا يعدون الرسول رجلًا أوتي السلطان على العرب؛ فيطيعونه على أنه رئيس مقتدر ...".
"وكان العرب المسلمون ينظرون إلى الأعراب المتبدين نظرة حذر وارتياب، وكانوا لا يرتضون لأعرابيٍّ تحضَّر أن يتبدى ... وكان للقبيلة الواحدة حاضر وبادية، والتمازج حاصل بين سكنة الحواضر وسكنة البوادي ... وكان الرسول الكريم يفرق بين الأعراب الموغلين في الصحراء، والأعراب المقيمين في الضواحي والمستجيبين لدعوة الإسلام ..." [1] .
كان الأعراب بعيدين عن التربية المباشرة، تربية العقيدة والإيمان، كانت فترة الإعداد غير كافية لاقتلاع رواسب الجاهلية الموغلة في نفوسهم. إن جذور العصبية عريقة، والتعلق بعادات الغزو والنهب والفهم لحياة الفوضى، وكرههم للطاعة وحياة الانضباط، كل ذلك مع ضعف العقيدة سبَّب ردةً عنيفة في جزيرة العرب ...
وسوف أستعرض بعض المواقف التي تجلّي لنا هذا الأمر:
عندما واجه خالد بن الوليد رضي الله عنه بجيوش المسلمين طليحة الأسدي أُسر حِبال بن أبى حبال، ولما أراد المسلمون أن يبعثوا به إلى أبي بكر الصديق قال: (اضربوا عنقي ولا تُروني محمَّدِيكُم هذا) ، فضربوا عنقه [2] .
نزل عمرو بن العاص وهو عائد من عُمان على سيد بني عامر - قرة بن هبيرة القشيري - وذلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال قرة لعمرو: (إن لك عندي نصيحة وأنا أحب أن تسمعها. إن صاحبك قد توفي) . قال عمرو: (أو صاحبنا هو،
(1) الشعر الجاهلي، د. يحيى الجبوري: 3236.
(2) حروب الردة: الكلاعي، ص 74.