الصفحة 8 من 89

هذا هو واقع الأخذ بالأسباب في مذهب"التصوف الفكري"، خلاصته عمليةُ قفزٍ على السنن الشرعية والكونية، تخبئ في داخلها الابتعاد بالنفس عن المناطق المحظورة (استعمال القوة مثلا) ، لأن"أولياء الأمر"يرون أنها ليست من اختصاص الحركة الإسلامية، الأمر الذي دفع بعض"المفكرين"إلى إعادة النظر في الأخذ بهذا النوع من الأسباب.

إذن نحن أمام مد صوفي خطير الأثر، لأنه إما أن يعطل طاقات الأمة بالمرة ويحولها إلى كتلة بشرية سلبية وجامدة اتجاه الأهداف المطلوبة في حركة التغيير الإسلامي، بحيث ترفع علنا شعارَ {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24] ، وإما أن يشوش على عقول العاملين لينحرف بهم نحو التفعيل الانتقائي لمبدأ الأخذ بالأسباب، وفي كلتا الحالتين أرى أننا أمام مشكلة اسمها الأخذ بالأسباب، إضافة إلى ما أشرنا إليه في البداية من حالة الضمور الذي أصاب عقيدة التوكل على الله.

وبالمناسبة فإن من أبجديات التصور الإسلامي أن التوكل على الله لا يمنع من اتخاذ الأسباب، إذ ليس هناك أي تعارض بين الأمرين، فالتوكل من أعمال القلب، وهو يعني الاعتماد على الله في تحقق النتائج، هذا الاعتماد الذي ينشأ أساسًا من الاطمئنان إلى أن النتائج بيد الله، وأن الأسباب لا تؤثر في النتائج بذاتها وإنما بإذن الله، فلو أن الله شاء أن لا يترتب الأثر عن السبب لكان ذلك، فلا الأسباب ولا النتائج تخرج عن إرادته، ولذلك فإن المسلم يأخذ بالأسباب ولكنه لا يتوكل عليها، وإنما يتوكل على الله، أي أنه لا يعبدها وإنما يعبد الله.

وقد بيّن الله العلاقة بين الأخذ بالأسباب وحصول النتائج عند قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال:17] ، فهو هنا ينفي عن رسول الله e الرمي بمعنى إحداث الأثر (تحقق النتائج) ، لأن الفاعل الحقيقي لذلك هو الله {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ، إلاّ أنه يثبت له - في الوقت نفسه - الرمي بمعنى الفعل (اتخاذ الأسباب) ، إذن ليس هناك أي مجال - في التصور الإسلامي - للصراع بين التوكل على الله واتخاذ الأسباب، فكلاهما دين واجب، وكلاهما أمرنا أن نتعبد الله به.

وإذا كنا نعتقد أن الحسابات البشرية مطلوبة من الوجهة الشرعية لأن الله خلق الكون ليسير وفق نظام سنني، فإننا نجزم في المقابل أن هذه الحسابات تبقى محدودة بحدود الطاقة البشرية، فهي لا تستطيع أن تحيط بكل شيء ولا أن تحصي كل شيء، لأن العوامل المؤثرة في حصول النتائج كثيرة ومتداخلة، بعضها داخل تحت القدرة البشرية، وبعضها إنما يرجع إلى طلاقة القدرة الإلهية، قال تعالى: {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:01] ، فيبقى القدر هو النافذ في حقيقة الأمر، وتبقى إرادة الله هي الفاعلة رغم أنها مستورة في كثيرة من الأحيان بستار القوانين الكونية.

لكنني أحب أن ننظر إلى مسألة العلاقة بين التوكل والأخذ بالأسباب من زاوية أخرى، أرى أنها أكثر إيجابية من الأولى، لأنها لا تقف عند مجرد رفع التعارض، فالتوكل على الله إضافة إلى أنه لا يسير في الاتجاه المعاكس لمبدأ الأخذ بالأسباب فإنه يُنشط هذا المبدأ ويفعله، أي أنه على قدر توكلك على الله تتمكن من استخدام الأسباب التي بين يديك، لأن الاطمئنان إلى كون النتائج بيد الله، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، يحول دون الوقوع في فخ الخوف من الغيب، وبالتالي يمنح مساحة واسعة لإرادة المسلم، تورث عنده ما يمكن أن نطلق عليه نفسية الإقدام، إذ يُلاحظ في حركته نوعا من"المغامرة"يستبعد معها التهيب من الغيب.

ونفسية الإقدام هذه هي التي تصنع الأحداث، وصاحبها هو الذي يؤثر في حركة الحياة، لأنها تمنحه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت