جهده، ولكنه يتعلق في نتيجة عمله بمشيئة الله ..
لقد جاءت"حنين"لتقرر فاعلية الإرادة الربانية في حركة الخلق، وأنه لا حتمية بين النتائج والمقدمات، وإنما مرد الأمر كله إلى الله، وبذلك تكون قد عملت على إرجاع التوازن إلى بعض النفوس التي صدمتها الهزيمة في"أحد"فغلّبت - على إثر ذلك - منطق الاطمئنان إلى الأسباب، حيث تسرب إليها العجب بالكثرة، أي أن"حنين"جاءت لتعيد الحق إلى نصابه، بحيث ترتفع بالتصور الإسلامي عن المادية التي تغفل إرادة الله، كما ارتفعت به"أحد"من قبل عن التواكلية التي تهمل الأسباب .. إنه التوازن العجيب الذي تنفرد به الرؤية الإيمانية للحياة!!
ويتولد عن هذا التوازن في الرؤية توازن في الحركة، بحيث تكون المناهج والبرامج الحركية مستحضرة للأمرين معًا، مستحضرة لوجوب الأخذ بكل المتاح من الأسباب ومستحضرة كذلك لوجوب التعلق الكامل بالمسبِّب الحقيقي وهو الله، أي أنه منهج يجمع بين الإيمان بفاعلية الله المطلقة والإيمان بأهمية الأخذ بالأسباب ..
وكأثر لهذه التوازن فإن أهم الملامح البارزة في هذا المنهج هي أنه يحمل ما يمكن أن نطلق عليه"روح المغامرة المدروسة"!! فالاطمئنان إلى كون النصر بيد الله يغرس عند المسلم نفسية الإقدام، أو على حد التعبير النبوي في أفضل الأعمال: (رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) [البخاري] ، لأن هذه النفسية ترفع عن المسلم أغلال التهيب الذي يكبل الإرادة ويضيق مجال التحرك ويقلل مساحات الفعل. لكن مع هذا فإن الإيمان بأهمية الأسباب يلح عليه باستفراغ الوسع في اكتساب وتفعيل كل الأدوات والإمكانيات المتاحة، لأنها العناصر المشكلة لمقومات القدرة على الفعل .. ومن تم ينشأ التوازن بين العقيدة والحركة.
على هذا التوازن تربى الجيل الأول من المسلمين، عرفوا أن الله - وحده - هو الفاعل في تحقق النصر، لكنهم عرفوا - في الوقت نفسه - أنهم مأمورون من قِبل الله باتخاذ الوسائل وبذل الجهد والوفاء بالتكاليف .. فاستيقنوا الحقيقة، وأطاعوا الأمر، في توازن شعوري وحركي عجيب! يصعب جدا أن يدركه الناس إلاّ إذا ساروا على الطريق .. طريق التوازن .. التوازن في الرؤية، والتوازن في الشعور، والتوازن في الحركة.
وقد يسهل - ولا شك - على الناس أن يدّعوا لأنفسهم هذا التوازن، ولكنه في الحقيقة صعب التحقيق، نعم صعب التحقيق، ويكفي أن نعلم أنه تطلب من الجيل الأول"المغامرة"على خوض"بدر"التي كانت فيها كفة موازين القوى مائلة بشكل ملحوظ لصالح العدو، والدرسَ القاسي في"أحد"، ثم"حنين"التوازن.
باختصار، إنه نتيجة لعملية تربوية متكاملة، تجمع بين التوجيه النظري والممارسة الميدانية، ولا تهمل واحدة على حساب أخرى، وإنما تعمل بهما معًا، في خط سير حركي يأخذ الإسلام كله، ولا يؤمن ببعض الكتاب دون بعض، يصلي ويصوم ويدعو ويجاهد ... إلخ، فإنما يدرك التوازن من خلال السير وفق منهج الله.
[مجلة الأنصار / العدد 24]