الصفحة 48 من 89

وهي لا تزال تعيش في أجواء الغبش التصوري الذي لا يُمَيز معه بين من ينتمي إلى هذا الإسلام وهو صادق ومن ينتسب إليه وهو في الحقيقة كاذب.

والتمييز يعني في معناه العام التفريق بين العناصر التي تكون متشابهة في بعض المظاهر ولكنها مختلفة في الحقيقة، فيقع الفرز بينها تبعا لما يتكشف من الحقائق التي تكون مستورة عندما تكون الأجواء راكدة والارتباط غير مكلف، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} [آل عمران:167] .

قد يندس إلى داخل الصف الإسلامي - ولأسباب ومقاصدَ متعددة - أناس غير صادقين في إقبالهم عليه ولا في ارتباطهم به، أي أنهم في الحقيقة كاذبون، إما دائما وإما مترددون، ولكنهم يتخذون من بعض المظاهر الإسلامية ستارا يخفون وراءه حقيقتهم، ويحققون به أغراضهم، فيتحركون داخل الصف الإسلامي حركة هي في الحقيقة عملية هدم من الداخل، فيكون وقْع ذلك وتأثيره على الجماعة المسلمة أشد من كيد العدو الظاهر.

وهذا بالضبط ما يقتضي كشف هذه العناصر، وإظهارها على حقيقتها أمام الجميع ليقع التمييز بين المؤمنين والمنافقين، في عملية فرز داخلي تستهدف التفريق بين العناصر الطيبة والعناصر الخبيثة التي تنتسب إلى الصف بينما الحقيقة خلاف ذلك، وإذا كان لابد من التعامل مع المنافقين على أنهم مسلمون في الظاهر - ما داموا لم يرتكبوا ما يخرجهم من الإسلام الحكمي - فعلى الأقل يجب أن يكونوا معروفين عند الجماعة المسلمة، يجب أن يكونوا معروفين كما كانوا معروفين عند جماعة الجيل الأول، لأن هذه هي السبيل إلى اتقاء شرهم، والدافع إلىتخاذ الإجراءات الكفيلة بإبطال مفعول كيدهم.

لكن نظام السنن يأبى أن تتحقق النتائج بعيدا عن مقدماتها المناسبة، أي أنه لابد لتحقق هذا التمييز من السبب الذي يؤدي إليه، فيكون كالمقدمة بالنسبة له، ولهذا كانت المداولة، لأنها تحمل الابتلاء الذي يعد سببا في التمييز، قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران:141] .

وبمجرد ما تأخذ الجماعة المسلمة سيرها في طريق العبادة يبدأ هذا الابتلاء، يبدأ لكنه لا يبقى مستقرا على مستوى واحد، وإنما يأخذ في الارتفاع كلما ارتفعت الجماعة في مقامات العبادة، ويتقدم في نوعية التأثير كلما تقدمت الجماعة في مواقع إقامة الدين، وعلى قدر الدين يكون الابتلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت