كفائي لا يسقط عن أحد من هذه الأمة إلاّ بأداء البعض له وحصول الكفاية عند القيام به، وإلاّ فإن الجميع يتحمل تبعة التقصير، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة} [التوبة: 36] .
وقال الشوكاني: (فيه دليل على وجوب قتال المشركين وأنه فرض على الأعيان إن لم يقم به البعض) [فتح القدير: 2/ 359] .
ولكن لعل الظروف الموضوعية التي دعت فقهاء السلف إلى الكلام عن الواجب كفائي من حكم الجهاد قد دخلت في خبر كان، بل لم يبق منها إلاّ ذكريات العز المسلوب، فكل بلاد الإسلام اليوم ترزح تحت وطأة الاحتلال الأجنبي أو عملائه من الطواغيت، مما يجعل المنطق الفقهي المتبع في تحديد الحكم الشرعي يستبعد أي موقف لا ينطلق من الوجوب العيني للجهاد، ويدعو إلى المشاركة العامة لكافة أفراد الأمة، وأن يبحث كل واحد فيها عن موقع في الجهاد يبرئ به الذمة، وقد قال تعالى {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [التوبة: 39] .
ومما يزيد من عمق الإحساس بالمسؤولية المباشرة عن الجهاد ملاحظة المشاركة الجادة لكافة الأعداء في الحرب الدائرة بين معسكري الإسلام والكفر، إذ من الصعب أن يرى المرء مشاركة كافة الأعداء واجتماعَهم على قتال أمته ثم يكتفي هو بالمراقبة عن بعد وينتظر في سلبية كاملة ما عسى أن تسفر عنه نتائج المعركة، لأن الموقف المطلوب في مثل هذه الظروف هو التحرك العام واستنفار الجميع لمواجهة الخطر الداهم، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36] .
قال القرطبي: (فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم) [التفسير: 8/ 136] .
ويضاف إلى هذه العوامل كلها الحقيقة القدرية التي تنطق باستهداف الأعداء لجميع المسلمين، وأنهم لا يستثنون من ذلك إلاّ من اتبع ملتهم، قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} [البقرة: 217] ، ولعل ما وصلت إليه يد الحملة الصليبية من إرادة الإجهاز على الجمعيات الخيرية، ومدارس العلوم الشرعية خير دليل على أن من تأخر دوره اليوم ليس لأن اللائحة لا تستوعبه ولكن لأن منطق ترتيب الأولويات يفرض على الأعداء تقديم الانشغال بخط الدفاع الأول ليسهل عليهم بعد ذلك الخلوص إلى الداخل والتحرك بحرية، ولاشك أن هذه الحقيقة تفرض على كافة المسلمين الاهتمام بالصراع الدائر بين المعسكرين، بل ودخول دائرة الحرب للمشاركة الفعلية في الدفع.