الصفحة 21 من 89

وإما بهما معًا، {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال:9] .

بل - وحرصا على الصفاء العقدي - ينبه اللهُ على أن هذا المدد الذي أيدهم به ما هو إلاّ وسيلة للاستبشار والاطمئنان إلى وعده، {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} [آل عمران:126] ، أما النصر فإنما يرجع إلى إرادته، وإلى قدره وحده، وليس إلى شيء سواه، {وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران:126] . كل ذلك لكي لا يظن المسلم أن الأسباب فاعلة بذاتها، فيتعلق قلبه بعالم الأسباب عوض التعلق بالله، ويَضمُر استشعاره لطلاقة القدرة الربانية وفاعليتها الكاملة في الكون، مما يؤثر على حقيقة تدينه من جهة، ويفقده النظرة الصحيحة للقوانين التي تحكم حركة الحياة من جهة أخرى.

{وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، عقيدة تعلمنا أن لا نطلب النصر إلاّ من الله، لأنها تزرع فينا روح التحرر من ربقة الانهزام التي تعلق قلوبنا بالخلق، ومن تم تدفعنا إلى الاستعلاء عن الارتهان لهذه القوة أو تلك، لأن حالة الارتهان ترسخ واقع الضعف وتجعلنا ألعوبة في يد الآخرين، في حين أننا أمة أخرجت بعناية ربانية لتقود لا لتكون تابعا ذليلا يدور في فلك الغير، مهما كان هذا الغير، فما بالك إذا كان عدوا. إذن فإن يكن من أحد يجب أن نتوجه إليه لاستجلاب النصر فهو الله، قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران:160] .

كما أن عقيدة {وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، تحررنا من ربقة النظرة السطحية للحياة، النظرة التي تتعامل مع القوانين الكونية وكأنها مستقلة عن إرادة الله، أو تصورها وكأنها فاعلة بذاتها لا بإذن الله، فيقع القلب في حبائل الأدوات المحدودة، ويحال بينه وبين الفاعل الحقيقي وهو الله.

فرغم أن الكثرة - مثلا - مؤثرة في النتيجة التي يمكن أن تسفر عنها المعركة، لأن الجانب العددي له حضوره الكبير في مفهوم القوة، إلاّ أنه من الخطأ الفادح بل من الشرك بالله أن نصل إلى الحد الذي نركن معه إلى الكثرة أو نتصور وكأنها فاعلة بذاتها في تحديد النتيجة.

يجب أن يستيقن المسلمون أنهم - مهما كانت عدتهم - إنما ينصرون بنصر الله لهم، لأنهم مهما اتخذوا من الأسباب فإنها تبقى - في حقيقة الأمر - قاصرة عن الإحاطة بكل العوامل المؤثرة في تحقق النتيجة، قال تعالى: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} [الفتح:21] ، ومن تم لابد أن يرد الأمر كله إلى مشيئة الله، ولابد أن يتعلق القلب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت