الصفحة 11 من 89

عليهم وعلى إغراءاتهم وإرهابهم.

إيمان يدفع صاحبه ويجعله قادرًا على الجهر بالحق الذي يؤمن به، حتى وإن كان أكثر الناس لا يقبلون ما يدعوهم إليه، ويجعله معتزًا وفخورًا بما يحمله من مبادئ وقيم تخالف ما يعتقده القوم من حوله.

إن الإيمان في زمن غربة الإسلام الثانية عملية معقدة وصعبة للغاية، فهي تشبه عملية القبض على الجمر، لابد من الصبر على أذى حرارتها لتبقى مشتعلة أو على الأقل متوقدة وإلا انطفأت.

نحن نريد إيمانًا أشبه بإيمان العجائز في ظاهره، بحيث لا يتزعزع المرء عن ثباته، ويزداد مع الابتلاء والمحن تجذرًا وترسيخًا في القلب، ولكنه يتميز عن إيمان العجائز في جوهره، بحيث يكون سليمًا وموافقًا لإيمان السلف الصالح، بعيدًا عن البدع والانحرافات التي نجدها لدى عجائزنا بسبب الجهل الموروث.

ولقد نجح الأعداء لفترات طويلة وفي مناطق شاسعة ومتعددة من بلداننا أن ينشروا بدعًا كثيرة ومغريات متعددة لصرف المسلمين عن الممارسة الحقيقية لدينهم، في شتى مجالات الحياة اليومية للمسلم، وأصبح الالتزام عندنا صوريًا وإسميًا لا غير، وحاولوا إغراقنا في الشهوات لكي لا نضحي في سبيل ديننا، فيصير لدينا أرخص من جناح بعوضة، نضحي به في سبيل تحصيل فتات الدنيا الزائل.

هذا في الوقت الذي يضحي فيه المسلمون بأغلى ما يملكون وعلى رأسها حياتهم، من أجل التكالب على هذه الدنيا والحرص عليها.

ثم استقم

ليس المهم أن تؤمن، بالرغم من أهمية هذه النقلة وصعوبتها في آن واحد، ولكن الأهم هو الاستمرار والثبات على هذا الإيمان، وهو ما يسمى بالاستقامة.

فالاستقامة شرط أساسي على صحة الإيمان، فعن أبي عمرة سفيان بن عبد الله t قال، قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال:"قل آمنت بالله ثم استقم" [رواه مسلم] .

هكذا الإسلام، يجعل الاستقامة بعد الإيمان مباشرة، بل لا معنى لهذا الإيمان بدون استقامة.

وفي الحديث المشهور حيث قال رسول الله r:"شيبتني هود وأخواتها، وشيبني في هود قوله تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (هود:121) ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام."

انظروا إلى ثقل مسؤولية اتباع أمر الله، {كَمَا أُمِرْتَ} ، أي كما أمر الله تعالى، وليس اتباع الهوى أو النفس أو الابتداع في الدين ما لم ينزل به الله.

ولاشك أن للعبادات اليومية والموسمية دورا كبيرا في تربية المسلم على الاستقامة، كالصلاة مثلًا، حيث يضطر المؤمن إلى تكرار هذه العبادة عدة مرات في اليوم والليلة لكي يبقى على اتصال مستمر مع ربه من أجل الدعاء وطلب المغفرة والمدد، فهي أشبه بمحطات استراحة وتزود، لمواصلة المسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت