تُذكر فتوى ماردين بموجة مراجعات السجون لمعتقلي تيارات السلفية الجهادية. ورغم أنه أسلوب استهلكه أصحابه والداعين إليه إلا أننا نشهد تصعيدا في الأمر، وهذه المرة من قبل علماء استحضروا علماء الأمة من التاريخ كي يخضعوهم لمراجعات من طراز فريد. ليس هذا فحسب؛ بل الدعوة إلى وجوب إجراء مراجعات تشمل فقهاء وعلماء آخرين كالعز بن عبد السلام والشاطبي وغيرهما، وليس بعيدا أن نشهد لاحقا مراجعات لابن كثير والبخاري ومسلم وابن هشام وابن القيم الجوزية والذهبي والطبري وحتى لأئمة المذاهب الأربعة وصولا إلى مراجعات تمس القرآن الكريم بحجة أن بعض الآيات لم تعد مناسبة للغة العصر! وقد حصل مثل هذا سابقا من لدن كثير من الزنادقة الذين قرأنا لهم واطلعنا على أطروحاتهم في وقت مبكر حيث لم يكن ثمة سلفية جهادية ولا غيرها.
بالتأكيد فلسنا ضد مراجعة التراث من قبل علماء الأمة المشهود لهم كلما لزم الأمر، وبما يواكب العصر بحيث تجيب الاجتهادات على أسئلة مطروحة وتقف عند النوازل الكبرى التي يصعب على علماء الأمة قديما اكتشافها أو التنبؤ بها، فالاجتهاد رحمة للأمة. لكننا لن نقبل بمراجعات تحوم حولها آلاف التساؤلات والشبهات بينما الأحكام الشرعية والاجتهادات الفقهية تفيض عن الحاجة بخصوصها. العجيب أننا الوحيدون الذين يتراجعون. والأعجب أننا حين نتراجع لا نعود إلى حيث بدأنا بل إلى حيث يريد النظام السياسي والغربي أن نكون. وهذا انهيار وليس مراجعة ولا اجتهاد.
لذا فنحن فعلا بحاجة إلى وقف التراجع عبر تأصيلات شرعية تتمتع بالإجماع لتجديد الموقف الشرعي بخصوص قضايا غدت مثار تأويل ومنازعات كحال الكثير من ديار المسلمين والقيم الغربية، والصلح مع إسرائيل وليس مع اليهود، والتحالف مع الأعداء أو الاستعانة بهم، والشرائع الدولية ومؤسساتها، ونظم الحكم، وولاية الأمر، والجهاد، وحوار الأديان، والقواعد العسكرية في بلادنا، ونهب ثروات الأمة والعبث بمواردها، والخور والعجز والإرجاف والتنطع والتحريف والبدع والخرافات والشعوذات السياسية، والاقتصاد، والتجارة، والتنمية، والثقافة، والعلاقة مع الحضارات وبقية الأمم، ومحاربة الإسلام، وقتل المسلمين بلا ذنب، وملاحقتهم ومطاردتهم، وتشويه الإسلام والمسلمين، والتضييق عليهم، والعنصرية، والاعتداء على العقيدة والرسول صلى الله عليه وسلم، والتطاول على الله.
د. أكرم حجازي