الصفحة 68 من 99

وقد ذكرت السورة - متفرّقا - شأن الكافرين مع هذا القرآن العظيم، وكيف يسمعونه ويحاورون أهله، وهي مع وجودها عند أعداء الكتاب الكريم، إلا أنّها تحمل التحذير لأهله لئلاّ يقعوا موقعهم:

- {وقالوا قلوبنا في أكنّة ممّا تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} .

هكذا أغلق الكافرون كلّ وسائط العلم لما يتلوه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأتباعه عليهم، فقد أكنّوا قلوبهم، أي جعلوها في (كِنّ) ، وهو الوعاء الحافظ لما فيه فلا يسمح بدخول شيء عليه، هذا إن وقع على أسماعهم شيء من آياته، ولكنّهم لخوفهم أن تتأثّر قلوبهم من آياته إن وقعت عليها فقد صنعوا حاجزًا سابقًا عن القلب، هو الحاجز في الأسماع، فقد صممناها عن السماع وأغلقناها أن يدخل فيها شيء من هذا الكلام.

ثمّ زيادة في إبعاد هذا الكلام عنهم جعلوا بينهم وبينه حجابًا، ولذلك قال تعالى قبل هذه الآية: {فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} .

وأنت أخي الحبيب لو تفكّرت في قوله تعالى عنهم: {وقالوا قلوبنا في أكنّة .. } لوجدّت أنّ هذه الحواجز قد ذكرها الله تعالى مرتّبة على درجة الأهمّية، فالقلب هو وعاء الفهم والإدراك والإحساس، وهو منطلق الشعور الذي تحصل به الإرادة، فهو محطّ تسمية الإنسان إنسانًا، ومقصد القرآن هو البلوغ إلى هذا المرجل الذي لا حياة للإنسان بدونه، ثمّ ذكر الربّ السمع وهو واسطة الإنسان نفسه بينه وبين العلم والقرآن، ثمّ ذكر الربّ المانع الخارجي والذي لا يحصل السماع مع وجوده، وهذا تفصيل له أهمّيته لغفلة الناس عنه.

وهذا قسم من أقسام أعداء القرآن لا يريدون سماعه ابتداءً، بل هم يخافون من سماعه، وأظنّ - والله أعلم - أنّ هذا القسم عنده القدرة على تذوّق الكلام الجميل الحسن، وأنّهم يطربون لبلاغات البيان الراقي الرفيع، ولمّا كانوا كذلك، وعلموا أنّ هذا القرآن مما يملك على سامعه نفسه وعقله ووجدانه، وأنّه مَلَكَ ناصية البيان، بل تجاوزها إلى رحاب يحسّونها في أنفسهم ولا يستطيعون إنكارها، لذلك سارعوا إلى وضع الحواجز الداخلية والنفسيّة والخارجيّة حتّى لا يسمعوا لهذا القرآن، فأبعدوه بالحجاب، وأغلقوا عليه منافذ الولوج إلى داخلهم، ثمّ حصّنوا قلوبهم بغلف ثخينة ثقيلة، ذلك لأنّهم يعرفون ما لهذا الكلام من وقع على آذانهم وقلوبهم، فستطرب له آذانهم رغم أنوفهم، وستؤمن له قلوبهم من غير رضاهم، وهم يكرهون هذا.

وقد يقول سائل: هل تؤمن القلوب من غير رضا أصحابها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت