والبلاء ليس فقط القتال المباشر، ولكنه يبدأ بالعزم عليه وإرادته والخروج إليه .. وهي البداية الحقيقية للمعركة التي تدور رحاها في النفس.
تمامًا مثل النهر الذي جعله الله بلاءً لمن كان مع طالوت قبل دخول الحرب مع جالوت.
ويقابل عوامل الإغراء بالقعود عوامل الشدة .. حيث سماها القرآن {ساعة العسرة} [التوبة: 117] .. والتي وصفها عمر بن الخطاب قائلا: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا فأصابنا فيه عَطَش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع .. حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فَرْثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده) .
تلك هي طبيعة الظروف والبلاء الذي لابد منه .. ولكن الله قادر على رفعه إذ يواصل عمر وصف الغزوة قائلًا:
(فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله عز وجل، قد عَوّدك في الدعاء خيرًا، فادعُ لنا. قال: تحب ذلك؟ قال: نعم! فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء فأظَلَّت ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر) [1] .
إرادة الخروج في سبيل الله:
وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لكي أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ في نفسي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جهازي شَيْئًا، فَقُلْتُ: أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ.
والبداية النفسية لإرادة الخروج هي الحال التي يكون عليها المسلم وهو في بيته وهذا موقف لعمر بن الخطاب يكشف الإستعداد الذي يكون عليه المسلم وهي في نفس ظروف الحرب مع غسان فيقول: أتاني صاحبي عشاءً فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه فقال حدث أمرٌ عظيم فقلت ماذا أجاءت غسان قال لا) [2]
(1) صحيح ابن حبان ح1383.
(2) الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم - (1/ 32)