فكان عمر لايفكر وهو في بيته إلا في غسان حتى يطلبه الرجل لشيء آخر فيجيبه"أجاءت غسان"التي لايفكر إلا في مواجهتها
ولعله من أقوى أمثلة الخروج في سبيل الله ما كان من حنظلة بن الراهب ..
قال الحافظ المنذري: حنظلة .. لقب بغسيل الملائكة، لأنه كان يوم أحد جنبًا، وقد غسل أحد شقي رأسه، فلما سمع الهيعة خرج فاستشهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت الملائكة تغسله [1] .
وهذا السلوك هو الذي يحقق إرادة الخروج؛ لأن التأخير ولو لحظة عن الخروج -عند الضرورة- هو الذي يسبب القعود، وموقف كعب مثال على تلك الحقيقة .. حيث يقول: «فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وليتني فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لي ذَلِكَ» .. لأنه تأخر! فلم يقدر له الخروج، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا يزال قومٌ يتأخرون حتى يؤخرهم الله» [2] .
وكلمة «وليتني فعلت» تكشف الحالة النفسية لكعب .. حيث لم يرضَ عن التخلف ولم تطمئن نفسه إليه.
ويواصل كعب كشف معاناته من خلال مقارنة حالته بمن تخلف معه:
«فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَطُفْتُ فِيهِمْ، أحزنني أَنِّي لاَ أَرَى إِلاَّ رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ» .
خرج الناس رغم الظروف كما قال كعب: «كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا» ومع ذلك فما أن بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم تَبُوكَ، حتى قَالَ وَهْوَ جَالِسٌ في الْقَوْمِ: «مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟» .
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ في عِطْفِهِ.
(1) إتحاف الخيرة المهرة ح2813.
(2) صحيح مسلم ح1010.