الصفحة 13 من 15

فيقول:

«سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ. قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الْفَجْرِ» .

مدة محسوبة باليوم والساعة .. فلا يبدأ يوم بعد المدة المحددة إلا بالتوبة.

«فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صاحبي مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ» .

الذين كانوا لا يتكلمون معه .. يتسارعون في إبلاغه بالتوبة:

رجل دفعه حبه لأخيه كعب أن يصرخ من فوق جبل، وآخر يركب الفرس.

«فَلَمَّا جاءني الذي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يبشرني نَزَعْتُ لَهُ ثوبيّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا» .

ورغم أنه لم يكن يملك إلا ثوبان ومع ذلك قال القائل في البداية: «حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ في عِطْفِهِ» .. وبرداه يعني: الرداء والإزار. مما يدل على حساسيتهم تجاه متاع الحياة الدنيا!!

«وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فيتلقاني النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ» .

فرحت الجماعة بتوبة الله على أخيهم وحبيبهم .. الذي كانوا لا يستطيعون الكلام معه، وهم الآن يتلقوه «فَوْجًا فَوْجًا» ، وبعد الجفاء والجفاف تفجرت ينابيع الحب والفرح.

لقد اكتملت التجربة التربوية بلا زيادة أو نقصان؛ لأنها لم تنتهِ حتى التزمت الأمة بحكم الله في كعب .. فتمت مقاطعة المسلمين بصورة دقيقة للغاية، ويدل على ذلك موقف ابن عم كعب ثم مقاطعة كعب لزوجته، فيعبر كعب عن حالته كما عبر القرآن تمامًا: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] .ولا يكون تفسير للآية إلا ممن مروا بالتجربة ولذلك يقول كعب:

«فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ التي ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَك وَتَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نفسي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت