فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 6

سوى الحق باطل. فإذا لم يوضع في الحق لم يبق إلا الباطل، والباطل ليس بشيء أصلا، وما ليس بشيء أحرى إلا أن يكون موضعا.

والقلب هو بنفسه لا يقبل إلا الحق، فإذا لم يوضع فيه فإنه لا يقبل غير ما خلق له: {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} وهو مع ذلك ليس بمتروك مخلى، فإن من لا يزال من أودية الأفكار وأقطار الأماني، لا يكون على الحال التي تكون عليها العين والأذن من الفراغ والتخلي، فقد وضع في غير موضع، لا مطلق ولا معلق، موضوع لا موضع له، وهذا من العجب، فسبحان العزيز الحكيم.

وإنما تنكشف له هذه الحال عند رجوعه إلى الحق: إما في الدنيا عند الإنابة أو عند المنقلب إلى الآخرة، فيرى سوء الحال التي كان عليها، وكيف كان قلبه ضالا عن الحق، هذا إذا صرف إلي الباطل، فأما لو ترك وحالته التي فطر عليها فارغا عن كل ذكر.

وخاليا من كل فكر، لقد كان يقبل العلم الذي لا جهل فيه، ويرى الحق الذي لا ريب فيه، فيؤمن بربه وينيب إليه. فإن كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء لا تحس فيها من جدعاء: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} . وإنما يحول بينه وبين الحق في غالب الحال، شغله بغيره من فتن الدنيا، ومطالب الجسد، وشهوات النفس، فهو في هذه الحال كالعين الناظرة إلى وجه الأرض لا يمكنها أن ترى مع ذلك الهلال، أو هو يميل إليه فيصده عن اتباع الحق. فيكون كالعين التي فيها قذى لا يمكنها رؤية الأشياء. ثم الهوى قد يعرض له قبل معرفة الحق فيصده عن النظر فيه. فلا يتبين له الحق كما قيل: (حبك الشيء يعمي ويصم) فيبقى في ظلمة الأفكار، وكثيرا ما يكون ذلك كبرا يمنعه عن أن يطلب الحق: {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون} .

وقد يعرض الهوى بعد أن عرف الحق فيجحده ويعرض عنه، كما قال سبحانه فيهم: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا} .

ثم القلب للعلم كالإناء للماء، والوعاء للغسل والوادي للسيل، كما قال تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها} الآية.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت فيها أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، وأصاب منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء. ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما أرسلت به، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به} .

وفي حديث كميل بن زياد عن علي رضي الله عنه، قال:"القلوب أوعية فخيرها أوعاها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت