وبلغنا عن بعض السلف قال: القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إلى الله تعالى أرقها وأصفاها، وهذا مثل حسن فإن القلب إذا كان رقيقا لينا كان قبوله للعلم سهلا يسيرا، ورسخ فيه وأثر، وإن يكن قاسيا غليظا يكن قبوله للعلم صعبا عسيرا، ولا بد مع ذلك أن يكون زكيا صافيا سليما حتى يزكو فيه العلم، ويثمر ثمرا طيبا وإلا فلو قبل العلم وكان فيه كدر وخبث أفسد ذلك العلم، وكان كالدغل في المزدرع، إن لم يمنع الحب من أن ينبت، منعه من أن يزكو ويطيب، وهذا بين لأولي الأبصار.
وتلخيص هذه الجملة أنه إذا استعمل في الحق فله وجهان:
وجه مقبل على الحق، ومن هذا الوجه يقال له وعاء وإناء، لأن ذلك يستوجب ما يوعى فيه ويوضع فيه، وهذه الصبغة وجود ثبوت، ووجه معرض عن الباطل، ومن هذا الوجه يقال له زكي وسليم وطاهر، لأن هذه الأسماء تدل على عدم الشر والخبث والدغل وهذه الصبغة عدم ونفي، وبهذا يتبين أنه إذا صرف إلى الباطل فله وجهان: وجه الوجود أنه منصرف إلى الباطل مشغول به، ووجه العدم أنه معرض عن الحق غير قابل له. وهذا يبين من البيان والحسن والصدق ما في قوله: إذا ما وضعت القلب في غير موضع بغير إناء فهو قلب مضيع فإنه لما أراد أن يبين حال من ضيع قلبه فظلم نفسه بأن اشتغل بالباطل، وملأ به قلبه، حتى لم يبق فيه متسع للحق، ولا سبيل له إلى الولوج فيه، ذكر ذلك منه فوصف حال هذا القلب بوجهيه، ونعته بمذهبيه، فذكر أولا وصف الوجود منه، فقال: إذا ما وضعت القلب في غير موضع، يقول إذا شغلته بما لم يخلق له فصرفته إلى الباطل حتى صار موضوعا فيه.
ثم الباطل على منزلتين:
إحداهما: تشغل عن الحق ولا تعانده، مثل الأفكار والهموم التي من علائق الدنيا وشهوات النفس.
والثانية: تعاند الحق وتصد عنه، مثل الآراء الباطلة والأهواء المردية من الكفر والنفاق والبدع، وشبه ذلك، بل القلب لم يخلق إلا لذكر الله فما سوى ذلك فليس موضعا له.
ثم ذكر ثانيا ووصف العدم منه فقال:"بغير إناء"، يقول: إذا وضعته بغير إناء فوضعته ولا إناء معك، كما تقول حضرت المجلس بلا محبرة. فالكلمة حال من الواضع، لا من الموضوع. والله أعلم.
وبيان هذه الجملة والله أعلم أنه يقول إذا ما وضعت قلبك في غير موضع فاشتغل بالباطل ولم يكن معك إناء يوضع فيه الحق، ويتنزل إليه الذكر والعلم الذي هو حق القلب، فقلبك إذا مضيع، ضيعته من وجهي التضييع، وإن كانا متحدين من جهة أنك وضعته في غير موضع، ومن جهة أنه لا إناء معك يكون وعاء لحقه الذي يجب أن يعطاه، كما لو قيل، لملك قد أقبل على اللهو: إذا اشتغلت بغير المماسكة وليس في الملك من يدبره فهو ملك ضائع، لكن هنا الإناء هو القلب بعينه، وإنما كان ذلك لأن القلب لا ينوب عنه غيره فيما يجب أن يصنعه: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} .
وإنما خرج الكلام في صورة اثنين بذكر نعتين لشيء واحد كما جاء نحوه في قوله تعالى: نزل عليك