فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 6

هذه الأعضاء فإنه يفقد بفقده من العلم ما كان هو الواسطة فيه .. فالأصم لا يعلم ما في الكلام من العلم .. والضرير لا يدري ما تحتوي عليه الأشخاص من الحكمة البالغة. وكذلك من نظر إلى الأشياء بغير قلب، أو استمع إلى كلمات أهل العلم بغير قلب، فإنه لا يعقل شيئا. فمدار الأمر على القلب، وعند هذا تستبين الحكمة في قوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} . حتى لم يذكر هنا العين كما في الآيات السوابق، فإن سياق الكلام هنا في أمور غائبة، وحكمة معقولة من عواقب الأمور. لا مجال لنظر العين فيها.

ومثله قوله: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون} ، وتتبين حقيقة الأمر في قوله: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} .

فإن من يؤتى الحكمة وينتفع بالعلم على منزلتين:

إما رجل رأى الحق بنفسه فقبله واتبعه ولم يحتج إلى من يدعوه إليه، فذلك صاحب القلب.

أو رجل لم يعقله بنفسه بل هو محتاج إلى من يعلمه ويبين له ويعظه ويؤدبه، فهذا أصغى فألقى السمع وهو شهيد، أي حاضر القلب ليس بغائبه كما قال مجاهد أوتى العلم وكان له ذكرى.

ويتبين قوله: {ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} . وقوله: {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} .

ثم إذا كان حق القلب أن يعلم الحق، فإن الله هو الحق المبين: {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال} . إذا كان كل ما يقع عليه لمحة ناظر. ويحول في لفتة خاطر. فالله ربه ومنشئه وفاطره ومبدئه ; لا يحيط علما إلا بما هو من آياته البينة في أرضه وسمائه.

وأصدق كلمة قالها لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.

ما من شيء من الأشياء إذا نظرت إليه من جهة نفسه وجدته إلى العدم ما هو فقير إلى الحي القيوم. فإذا نظرت إليه وقد تولته يد العناية بتقدير من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. رأيته حينئذ موجودا مكسوا حلل الفضل والإحسان. فقد استبان القلب إنما خلق لذكر الله سبحانه. ولذلك قال بعض الحكماء المتقدمين من أهل الشام: أظنه سليمان الخواص رحمه الله الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسد، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم، فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا، أو كما قال: فإذا كان القلب مشغولا بالله عاقلا للحق، مفكرا في العلم، فقد وضع موضعه، كما أن العين إذا صرفت إلى النظر في الأشياء فقد وضعت في موضعها.

أما إذا لم يصرف إلى العلم، ولم يرع فيه الحق، فنسي ربه، فلم يوضع في موضع، بل هو ضائع، ولا يحتاج أن يقال: قد وضع في موضع غير موضعه، بل لم يوضع أصلا، فإن موضعه هو الحق، وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت