وذلك كله لأن القلب بنفسه يقبل العلم ; وإنما الأمر موقوف على شرائط واستعداد قد يكون فعلا من الإنسان فيكون مطلوبا.
وقد يأتي فضلا من الله فيكون موهوبا فصلاح القلب وحقه، والذي خلق من أجله، هو أن يعقل الأشياء، لا أقول أن يعلمها، فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلا له، بل غافلا عنه، ملغيا له، والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه، فيكون وقت الحاجة إليه غنيا، فيطابق عمله قوله، وباطنه ظاهره. وذلك هو الذي أوتي الحكمة: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} .
وقال أبو الدرداء: إن من الناس من يؤتى علما، ولا يؤتى حكما، وإن شداد بن أوس ممن أوتي علما وحكما.
هذا مع أن الناس متباينون في نفس أن يعقلوا الأشياء من بين كامل وناقص، وفيما يعقلونه من بين قليل وكثير، وجليل ودقيق، وغير ذلك.
ثم هذه الأعضاء الثلاثة هي أمهات ما ينال به العلم.
يدرك، أعني العلم الذي يمتاز به البشر عن سائر الحيوانات، دون ما يشاركه فيه، من الشم والذوق واللمس، وهنا يدرك به ما يحب ويكره، وما يميز به من يحسن إليها ويسيء، إلى غير ذلك.
قال الله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} وقال: {ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} وقال: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} . وقال: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة} وقال: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} . وقال فيما لكل عضو من هذه الأعضاء من العمل والقوة: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها} .
ثم إن العين تقصر عن القلب والأذن وتفارقهما في شيء، وهو أنها إنما ترى بها الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص، فأما القلب والأذن فيعلم بهما ما غاب عن الإنسان، وما لا مجال للبصر فيه من الأشياء الروحانية والمعالم المعنوية.
ثم بعد ذلك يفترقان، فالقلب يعقل الأشياء بنفسه إذا كان العلم بها هو غذاؤه وخاصيته: أما الأذن فإنها تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى القلب، فهي بنفسها إنما تنال القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ منه ما فيه من العلم، فصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب.
وإنما سائر الأعضاء حجبته توصل إليه من الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه، حتى إن من فقد شيئا من