ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين. ولكن هؤلاء يشبهون بشيء آخر وهو ما يعرض لبعض العارفين في مقام الفناء والجمع والاصطلام والسكر فإنه قد يعرض لأحدهم - لقوة استيلاء الوجد والذكر عليه - من الحال ما يغيب فيه عن نفسه وغيره فيغيب بمعبوده عن عبادته وبمعروفه عن معرفته وبمذكوره عن ذكره وبموجوده عن وجوده.
ومثل هذا قد يعرض لبعض المحبين لبعض المخلوقين كما يذكرون أن رجلا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال له: أنا وقعت؛ فما الذي أوقعك؟ فقال: غبت بك عني. فظننت أنك أني. وينشدون:
رق الزجاج وراقت الخمر *** وتشاكلا فتشابه الأمر
فكأنما خمر ولا قدح *** وكأنما قدح ولا خمر
وهذه الحال تعرض لكثير من السالكين وليست حالا لازمة لكل سالك ولا هي أيضا غاية محمودة بل ثبوت العقل والفهم والعلم مع التوحيد باطنا وظاهرا كحال نبينا -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه أكمل من هذا وأتم." [1] ."
ومن أثنى على ابن عربي من أهل العلم فإنما تأول كلامه، إذ لا يتصور وجود مسلم يثني على كلامه بمعانيه الظاهرة التي أشرنا إلى بعضها، لأن تلك المعاني كفر غليظ لا جدال فيه إذ إنها تأتي على المعنى المجمل لكلمة التوحيد"لا إله إلا الله"، فهي مباينة للإسلام وعقيدة التوحيد أشد المباينة.
(1) - انظر"مجموع الفتاوى" (2/ 328 - 329) .