قلت: رواية عبد الوارث أخرجها الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو نعيم في أخبار أصبهان، والباغندي في أماليه، وابن بشران؛ جميعم من طريق عبد الله بن عمرو.
وأما ما يتعلق بالترجيح بين الروايتين؛ فعبد الوارث وابن علية متقاربان في أيوب، فكلامهما من كبار الحفاظ، لذا قدم بعض الحفاظ ابن علية، وقدم آخرون عبد الوارث، وأما رواية: بكير (وهو ابن الأشج) عن نافع أن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يدخل من باب النساء، فليست صريحة في أن عمر هو الذي أمر بذلك،؛ إذ هي محتملة أن يكون الذي أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنفيذا لذلك كان عمر رضي الله عنه ينهى أن يدخل الرجال من باب النساء.
وإذا كان الصحيح في هذا الخبر وقفه على عمر رضي الله عنه، فهو من الخلفاء الراشدين الذين أمر عليه الصلاة والسلام بالعمل بسنتهم، فقال في الحديث الصحيح: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) .
ومن المعلوم أن القرآن الكريم كان ينزل بموافقة عمر رضي الله عنه، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يستشيره في الأمور، وفي هذا الخبر أن ابن عمر عمل بذلك فلم يدخل من هذا الباب الذي خصص للنساء حتى توفاه الله عز وجل.
وفي هذا الحديث مشروعية جعل أبواب خاصة للنساء في المساجد، ويلحق به دور التعليم والعمل وغيرهما.
والحكمة في ذلك ظاهرة؛ وهي ألاّ يختلط الرجال بالنساء، مع أن مدة الدخول والخروج قصيرة، فكيف إذا كان هذا الاختلاط في أوقات طويلة؟
ويلاحظ أن في صلاة النساء مع الرجال عدة أمور:
أولًا: الأولى بالمرأة أن تصلي بالبيت، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث، منها قول صلى الله عليه وسلم: (وبيوتهن خير لهن) ، مع أن الصلاة في مسجده عليه الصلاة والسلام عن ألف صلاة، ولا يستثنى من ذلك إلا صلاة العيدين، فقد جاء الحث للنساء بالصلاة في المصلى، وهما لا يقعان إلا مرتين في العام.
ثانيًا: إذا خرجت المرأة على المسجد فعليها أن تخرج بدون أن تتطيب، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وليخرجن تفلات) ، ويدخل في ذلك الثياب الحسان ونحو ذلك مما يكون سببًا للفتنة. قال أبو محمد بن حزم: (ولا يحل لهن أن تخرجن متطيبات ولا في ثياب حسان ... ) .