الصفحة 12 من 17

الدليل الرابع عشر: في الحج والطواف، مع أن هذه العبادة العظيمة تختلف عن باقي العبادات بسبب كثرة الناس فيها واجتماعهم في أماكن معينة وفي وقت واحد، ومع ذلك منع الإسلام من الاختلاط فيها. أخرج البخاري (1618) من حديث ابن جريج أخبرني عطاء (إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال) قال: كيف يمنعهن؟ وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال؟ قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يُخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجْرَةً مع الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين. قالت:"عنك"، وأبت. وكن يخرجن متنكراتٍ بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهنّ كن إذا دخلن البيت؛ قمن حتى يدخلن وأُخرِج الرجال. وكنت آتي عائشة، أنا، وعبيد بن عمير، وهي مجاورة في جوف ثبير. قلت: وما حجابها؟ قال: هي في قبة تركية لها غشاء، وما بيننا وبينها غير ذلك، ورأيت عليها درعا مورّدًا. اهـ

وهذا ظاهر أن الاختلاط في عهد الصحابة غير جائز، وأنهم يأمرون بالمنع منه.

ومعنى (حجْرَة) أي: معتزلة الرجال، وفي رواية: (حجزة) وهي رواية عبد الرزاق؛ فإنه فسره في آخره فقال:"يعني محجوزًا بينها وبين الرجال بثوب".

وقوله: (فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين. قالت:"عنك"، وأبت) .

دليلٌ على أن اختلاط الرجال بالنساء لو كان جائزًا؛ لما امتنعت عائشة رضي الله عنها وهي أم المؤمنين وأفقه النساء، وأبت أن تستلم الحجر الأسود مع المرأة، مع فضل استلام الحجر الأسود.

وقوله: (قلت: وما حجابها؟ قال: هي في قبة تركية لها غشاء) .

دليل على احتجابها وابتعادها عن الرجال وعدم اختلاطها بهم.

فمن يجرؤ بعد هذا أن ينكر أن الاختلاط مصطلح شرعي، له حكمه الواضح البين؟

وقوله (يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال) أي كن يؤخرن طوافهن إلى الليل؛ لأن الليل أستر لهن، ومن المعلوم أنه لم يكن هناك مصابيح كما هو الآن، ومع ذلك كله كنّ متنكرات أي مستترات، كما في رواية عبد الرزاق، وإذا أردن أن يدخلن البيت أي (الكعبة) خرج الرجال، وهذا يدل على أن ذلك ليس خاصًا بزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت