الصفحة 34 من 45

ينهاه عن الشرك بكل بلية ويعاديه أشد العداوة لزعمه أن الموحد يبهته بشيء هو بريء منه بعيد عنه مع أنه واقع فيه.

وهو إنما أتي من عدم معرفة ما يقدر عليه المخلوق وما لا يقدر عليه مما هو مختص بالخالق سبحانه ومن عدم معرفته للعبادة ماهي وأنواعها إذا صرف منها شيء لغيره صار شريكًا له من هذا الوجه يعني من جهة التأله فالشفاعة والإغاثة والإعانة وما لا يقدر عليه إلا الرب عز وجل وهو عبودية له لا يستطيعه المخلوق ولا يقدر عليه لأنه يحتاج إلى تأثير وهذا التأثير يختص به الرب عز وجل وحده لا يشركه فيه أحد غيره.

ولما اعتقد المشركون هذا التأثير بمعبوديهم مالت قلوبهم إليهم ميل العبودية وخضعوا لهم وذلوا وبذلوا أموالهم من الذبائح والنذور وغيرها طيبة بها نفوسهم.

وهؤلاء يقولون في النار: (تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) وهذه التسوية هي ما حصل في قلوبهم من اعتقاد تأثيرهم ومعلوم أنه يصير بهذه الكيفية إله يعني مألوه بالحب والخضوع والذل الذي هو لبُّ العبادة ولا يصلح منه شيء لغير الله عز وجل.

والقلب مفطور على تأله الحق سبجانه وعدم الالتفات إلى غيره بشأن العبودية فإذا اعتقد في غيره مهما كان ذلك الغير أنه يقربه أو يشفع له أو ينفعه عند الله أو يستقل دونه بحصول مرغوبه أو دفع مرهوبه فإنه يميل إليه قلبه بالمحبة والذل والخضوع والخوف والرجاء حتمًا كنتيجة لهذا الاعتقاد وهذا الميل هو العبودية المنفية عما سوى الله وهذا هو التشريك في العبادة لكن الظالمون في ضلال بعيد. فيوجب ذلك فساد القلب بالكلية.

والموحد الذي لا يقصد بتأله قلبه بهذه العبودية سوى ربه ليس هو متنقصًا للأنبياء والملائكة والأولياء ولكنه لا يخرجهم عن طور مماثلته في العجز عن التأثير والاستقلال من دون الله بشيء من الأشياء ولو كان مثقال ذرة.

ومعلوم أن محبتهم وتعظيمهم في قلبه هو اللائق بهم وهو الصحيح المطابق للحق فهو يحبهم في الله لا مع الله وهم يحبونه أيضًا بخلاف من اعتقد فيهم ما ليس من شأنهم ولا اختصاصهم ولا يستطيعونه بل يختص به رب العالمين فإنه وإن زعم حبهم فهي محبة شركية هم يتبرأون منه لأجلها ويعادونه أشد العداوة وهذا سوف يحصل يوم القيامة لمن تعلق بغير الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت