الصفحة 33 من 45

فهم يقربونكم إليه ويشفعون لكم عنده ويرفعون إليه حوائجكم وهذا بعينه هو اعتقاد أهل الإشراك من قوم نوح إلى وقتنا هذا.

وإبليس اللعين أتى بهذا الكيد لبني آدم لعلمه أنه قلَّ أن يطيعه أحد منهم بإنكار وجود الرب عز وجل أو دعوى شريكًا له في الخلق والتدبير والرزق وإنما جاء بهذه الحيلة والشبهة الملعونة وزينها للأشقياء ليصرف قلوبهم عن ربهم ويحجبهم عنه بالوسائط ويوقعهم في الشرك الأكبر الذي لا يغفر إلا لمن تاب منه قبل الممات. وهذه الوسائط كلها سواء الأنبياء والملائكة وغيرهم تتبرأ ممن اتخذها من دون الله كما أنها لا تملك له نفعًا ولا ضرًا والقرآن كله يدور على نفي هذه الوسائط. ورصيد أهلها بالخلود في جهنم.

والسر في ذلك هو الغلو في الصالحين بأن يُرفعون فوق منزلتهم وأن يعتقد فيهم أنهم كالوجهاء والمقربين عند ملوك الدنيا حيث يرفعون حوائج الناس إليهم فهذا التشبيه الملعون هو الذي أوقع عباد القبور والأصنام بما أوقعهم فيه.

هم إذا فعلوا ذلك يرون ويسمعون عند القبور والأصنام عجائب وتقضى لهم بعض الحوائج وكل هذا إنما يفعله الشيطان فتنة لهم ليزدادوا غرورًا في شركهم وضلالهم.

وربنا عز وجل حذرنا من الشيطان غاية التحذير لأنه يدعو الناس إلى عبادته من دون الله كما يقع لعباد القبور والأصنام أنهم يعبدونه حيث هو الآمر لهم بذلك الذي ليس لهم فيه حجة ولا برهان وهو أحب شيء إليه خضوع بني آدم وذلهم له وذلك يوجب انقطاعهم عن إلههم الحق سبحانه. إذا عُلم هذا فالعبادة إنما تصدر عن تألُّه القلب وهذا التأله بجملته وتفصيله لا يصلح منه شيء لغير الله عز وجل لأن ذلك يوجب المساواة والتشريك وكيف يساوى المخلوق بالخالق والمملوك بالمالك مهما كانت درجة المخلوق فعلو درجة المرسلين والملائكة والأولياء والصالحين لا تخرجهم عن طور العبودية التي يقارنها العجز عما يختص به رب العالمين.

لكن هناك لُبس في المسألة ينبغي التنبه له وهو أن المشرك يعظم الأمر إذا قيل له أنت تساوي المخلوق بالخالق وتشركه به في العبودية لأنه يجد فرقانًا كبيرًا بين الخالق عز وجل وبين ما يتخذه من دونه من الوسائط المخلوقة وإن كانوا أنبياء وملائكة حيث يعلم ويقر أنهم عبيد الله مماليك له وهذا صحيح هو يجد ذلك الفرقان في نفسه ولذلك يرمي الموحد الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت