والمراد بالفوقية هنا فوقية معنوية نفسية، وليست فوقية مكانية مادية. إنها فوقية تملأ شعور المؤمنين، هم المتميزون على الكافرين في كل شيء، متميزون بدينهم ومنهاجهم، ومتميزون بمهمتهم ووظيفتهم ودورهم، متميزون بأفكارهم وتصوراتهم، وبسلوكهم وتصرفاتهم، وبآمالهم وتطلعاتهم واهتماماتهم. متميزون في دنياهم وآخرتهم .. ولهذا يوقن المؤمنون أنهم أفضل من الكافرين، وأنهم الأعلون المتفوقون. كما قال تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139] .
وشعور المؤمنين بأنهم الأعلى، وأنهم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة لا يعني تكبرهم على غيرهم، لأن التكبر محرم في دين الله.
إنما يعني اعتزازهم بالإسلام، وافتخارهم بالانتساب إليه، وشكرهم لله على ما ميزهم به، وحرصهم على الالتزام به، وقيامهم بواجب الدعوة إليه، وتقديم نوره إلى الذين يتخبطون في ظلمات الكفر والجاهلية.
كما يعني هذا استغناؤهم بالإسلام، واكتفاؤهم به، ويقينهم بعدم حاجتهم لغيره، ولذلك لا يأخذون من الكافرين شيئًا من أفكارهم ومذاهبهم، وقوانينهم وتشريعاتهم، وقيمهم وعاداتهم، وسلوكياتهم وتصرفاتهم، لأن هذا كله نتاج كفرهم، وانغماسهم في الحياة الدنيا وإنكار الآخرة.
لا بد أن يشعر المؤمنون بأنهم فوق الذين كفروا، فلا يجبنوا ولا يضعفوا أمامهم، ولا يذلّوا لهم.
وقد حقق الله للمسلمين وعده، فجعلهم فوق الذين كفروا، حيث نصرهم عليهم، ومكن لهم في الأرض.
شرط كون المؤمنين فوق الكفار:
وكون المسلمين فوق الذين كفروا مشروط بالتزامهم الصادق الجاد بالإسلام، وتطبيقه والحركة به، فإن أخلوا بهذا الشرط فقدوا هذه الصفة، ونزلوا عن هذه المنزلة، ولا يرتقون إليها إلا إذا عادوا إلى إسلامهم.
والمسلمون في هذا الزمان ليسوا فوق الذين كفروا، وإنما صاروا في أوضاعهم العامة دون الذين كفروا، وهم الذين جنوا بذلك على أنفسهم، وهم السبب في ما أصابهم، لأنه انفكت صلة كثيرين منهم بالإسلام، وضعفت صلة آخرين به، وبذلك لم يلتزموا بشرط الفوقية المشروط.
ونحن على يقين أن المسلمين سيعودون عودة جادة للإسلام، وبذلك يعودون إلى المنزلة العالية التي وضعهم الله فيها، ورفعهم إليها، وجعلهم فوق الذين كفروا.
نحن جازمون أن هذا الوعد القرآني سيتحقق لهم في المستقبل، عندما يغيرون ما بأنفسهم من سوء، كما تحقق هذا الوعد لآبائهم الصالحين!.
إصابة المؤمنين بالبأساء والضراء:
ثالثًا: قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) [البقرة: 214] .
تتحدث الآية عن طريق الدعوة، وضريبة الإيمان والالتزام والسير في الطريق الموصل إلى الجنة.
والخطاب في الآية: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم) للمسلمين، وإن الآية تُعرِّفهم على ما ينتظرهم من الابتلاءات والمحن، في طريقهم إلى الجنة، فطريق الجنة ليس مفروشًا بالورود والرياحين، وهو ليس سهلًا معبّدًا، إنه مليء بالعقبات والأخطار والمفاجآت، وكل من سار فيه لا بد أن يصيبه الأذى والألم.
وللمسلمين في ذلك قدوة وأسوة بالمؤمنين الذين خلوا من قبلهم، من أتباع الرسل السابقين، فقد عاشوا كثيرًا من الابتلاءات والمحن، أخبر الله عنها بقوله: (مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا) .