الصفحة 26 من 152

إن الكفار من أهل الكتاب والمشركين لا يودون أن ينزل على الأمة المسلمة أي خير من الله، لأن حصولها على ذلك الخير معناه قوة الأمة وحيويتها، والكفار يريدون أن تبقى الأمة في ضعف وذل وهوان.

وبما أن الخير للمسلمين محصور بالإسلام والقرآن، الذي هو النور والهدى، والروح والحياة، فالكفار حريصون على إبعاد المسلمين عن إسلامهم، مصدر الخير لهم.

والتعبير عن هذه الرغبة الخبيثة بالود مقصود، لأن الود أمر قلبي، وأمور القلب متجذرة فيه، وهذا معناه: أن حرمان المسلمين من الخير والعزة ليس شيئًا عارضًا عند الكفار من أهل الكتاب والمشركين، إنما هو قاعدة راسخة عندهم، وهدف استراتيجي لهم، هو الباعث والمحرك لمواجهاتهم ضد المسلمين.

وهذا معناه: أن كل خطط الكفار ضد المسلمين تهدف إلى حرمانهم من الخير، وإبعادهم عن الهدى، وإن أخفوا هذا الهدف، وأظهروا رغبتهم في نفع المسلمين وإصلاح أحوالهم .. وهذا معناه أيضًا: أن يحذر المسلمون أعداءهم المتآمرين عليهم، وأن يشكوا في كل ما يقدمونه لهم، لأن الذي يحركهم هو حرمان المسلمين من كل خير، وإبقاؤهم في الشر!.

حرص الكفار على ارتداد المسلمين:

ثانيًا- قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [البقرة: 109] .

تخبر الآية عن مواجهة أهل الكتاب للمسلمين، وعن هدفهم الراسخ الثابت من هذه المواجهة.

إن كثيرًا من أهل الكتاب -من اليهود والنصارى- يودون لو يردون المسلمين عن إسلامهم، ويعيدونهم إلى الكفر بعد الإيمان، والذي دفعهم إلى ذلك هو حسدهم للمسلمين، بعدما تبين لهم الحق، وأيقنوا أن هذا الحق مع المسلمين وحدهم.

وعندما ننظر في هذه الآية، التي تتحدث عن ما يحرك الكفار ضد المسلمين، فإننا سوف نستخرج منها الحقائق التالية:

1 -تبيَّنَ للكفار الحق، وعرفوا أن الله اختص به المؤمنين، وأن هؤلاء المؤمنين على هدى من ربهم، وقد عرف الكفار الكتابيون هذه الحقيقة، من خلال حديث كتبهم المقدسة عن الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، وصفاته العامة، وخصائص الدين الخاتم الذي بعثه الله به، وبهذا التبين والوضوح قامت عليهم الحجة، لئلا يحتجوا بعدم المعرفة.

2 -تبين الحق لأهل الكتاب لم يأخذ بأيديهم إلى اتباعه، ويدل هذا على الاعوجاج المتأصل المتجذّر في كيانهم، فالعلم والمعرفة لا ينتجان عندهم النتيجة المنطقية، وإنما ينتجان المزيد من الكفر والبغي والعناد!.

حسد الكفار للمسلمين:

3 -حسد الكتابيون الكافرون المسلمين على ما من الله عليهم به من الهدى والخير، لأن الكتابيين حرموا أنفسهم من ذلك الهدى والخير، بتحريفهم لشرع الله، وعصيانهم له، ومحاربتهم لرسله، وبذلك صاروا ضالين مجرمين.

ولما أيقنوا أن المسلمين على خير وهدى وحق، حسدوهم، بدل أن يتابعوهم ويسيروا معهم.

ومعلوم أن الحسد مرض نفسي خبيث، يدفع صاحبَه الحاسدَ إلى أن يتمنى زوال الخير عن المحسود، ويسعى لحرمانه منه، فالمهم عنده أن يزول عنه الخير، ولا يهمه بعد ذلك أن جاء إليه، أو ذهب إلى غيره!.

وحسد الكتابيين للمؤمنين دليل على بغضهم وكراهيتهم لهم، ولا يبغض أصحاب الحق إلا حاسد كافر، مع أن المؤمنين لم يرتكبوا ما يوجب بغضهم وكرههم وحسدهم، ولا ذنب لهم عند الحاسدين، إلا أنهم على هدى وحق!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت