{إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا .. } [سورة النساء 4/ 58] .
والأمانة الأولي هي الالتزام بما جاء من عند الله فذلك مقتضي الإقرار بألوهيته وتحت هذه الأمانة الكبري تندرج الأمانات الأخري كلها فيما يتصل بعلاقة الانسان بنفسه وعلاقته بالناس .. وتلك هي الأخلاق!
أمر ثالث يتعلق بالأخلاق كذلك وله كذلك أهميته الخاصة بالنسبة للجاهلية المعاصرة هو أن هذه (الأمانات) التي هي الفحوي الحقيقية للأخلاق ليست خاصة ببعض أنواع التعامل دون بعض بل شاملة لكل أنواع التعامل ومن ثم لا يخرج عن نطاقها شئ البتة من أعمال الانسان الإرادية الاختيارية ولا يقال عن شئ من هذه الأعمال كلها إنه خارج عن نطاق الأخلاق لا السياسة ولا الاقتصاد ولا الاجتماع ولا الفن ولا الفكر ولا ساعة الجد ولا ساعة الترويح كلها داخلة في نطاق الأخلاق وكلها داخلة في الميثاق المعقود مع الله وكلها يقوم به المؤمن بمقتضي عقد الإيمان.
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) } [سورة الفرقان 25/ 63 - 76] .
صحيح أن الناس في ممارساتهم الواقعية للحياة يعصون أمر ربهم وأن تلك المعاصي تتعلق أشد ما تتعلق بأخلاقيات لا إله إلا الله وأن المعاصي مع ذلك لا تخرجهم من الإيمان ما لم يستحلوها ويجعلوها أصلا معتمدا بدلا من أوامر الله.
ولكن المعصية لا تنفي أرتباطا هذه الاخلاقيات بلا إلا إلا الله ولا تنفي أصل الالتزام المنني علي الإقرار بلا إله إلا الله فمن أقر فقد التزم وإن عصي وإلا فلا إقرار بغير التزام.