قضية المعصية هي أن الله برحمته لا يخرج من عصاه من دائرة الإيمان ويغفر له إن شاء ويعذبه إن شاء ولكنه لا يخلده في النار ما دام غير مستحيل لمعصيته وما دام لم يجعلها تشريعا يضاهي به تشريع الله.
ولكن هذا ليس معناه أن المعصية هينة عند الله أو أن وجودها وعدم وجودها سيان بالنسبة للإيمان.
إنما الإيمان يزيد وينقص ينقص بالمعاصي ويزيد الطاعات.
ويكفي هذا التقرير من رسول الله:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" [1] .
يكفي لبيان أن ميزان الايمان ليس ثابتا وإنما هو يعلو ويهبط كلما قام الإنسان بعمل من الأعمال حسب التزامه أو عدم التزامه في ذلك العمل بأوامر الله كما يكفي لبيان ذلك الارتباط الذي لا ينفصم بين لا إله إلا الله وأخلاقيات لا إله إلا الله وأن هذه الأمة بحكم أنها أمة ربانية أمة عقيدة فهي أمة أخلاق وأن التزامها بأخلاقيات لا إله إلا الله هو معيار من معايير صدق إيمانها لا يمكن إغفاله وإنها لا تستطيع أن تتفلت من أخلاقها ثم تزعم أنها صادقة الإيمان!.
فأما الجيل الأول فقد وعي هذه الحقيقة بكل عمقها وكل فعاليتها
سئلت عائشة ~ عن خلق رسول الله - فقالت كان خلقه القرآن.
ما أوجزها عبارة وما أبلغها كذلك!.
كان خلقه القرآن. أي أن كل أمر أمر الله به في كتابه المنزل وكل نهي نهي عنه. كان مترجما ترجمة واقعية في حياة الرسول -. ومن ثم كان خلقه القرآن.
وعلى هذا الخلق ربى أصحابه رضوان الله عليهم وكان هو القدوة أمامهم في التخلق بأخلاق الله.
لا عجب إذن أن نرى تلك القيم الأخلاقية الرفيعة في كل مجال من مجالات الحياة.
أبو بكر رضى الله عنه يتولى الخلافة فيقول للناس: إنى وليت هذا الأمر ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقومونى. ويقول قريبا من ذلك عمر ابن الخطاب رضى الله عنه حين تولى الأمر.
وما من حاكم في التاريخ يدعو الناس إلى تقويمه إن أساء!
(1) أخرجه الشيخان.