ولم يكن ذلك القصاص من مسلم لمسلم ولا من عربي لعربي فيقول الناس: عدل .. نعم ... ولكنه غير مستغرب!
إنه العدل الرباني في الذروة من التطبيقي!
وسرقت من علي كرم الله وجه درع فوجدها عند يهوي فقاضاه إلي قاضية شريح .. وعلي يؤمئذ هو الخليفة أمير المؤمنين.
وإلي هنا فهناك ما يستوقف النظر.
إن عليا كرم الله وجه وهو علي يقين من درعه ومن حقه لم يلجأ إلي سلطان الخلافة فيأخذ درعه بالقوة من اليهودي فضلا عن أن يأمر باعتقال السارق الآثيم (رهن التحقيق) ! إنما يلجأ إلي القضاء يطلب حقه عن طريقه وذلك في ذاته مستوي رفيع من تطبيق العدل الرباني نادر المثال.
ولكن الحادثة كسابقتها أروع آفاقا وأبعد مدي وأعمق دلالة
لقد نادي شريح أمير المؤمنين بكنيته: يا أبا الحسن! ولم يكن الرجل اليهودي فغضب علي كرم الله وجهه! غضبت الخصمة اليهودي! غضب للحق .. للعدل الرباني! وقال للقاضي: إما أ تكني الخصمين معا أو تدع تكنيتهما معا!
ثم سأل شريح أمير المؤمنين عن قضيته فقال علي كرم الله وجه: الدرع درعي ولم أبع ولم أهب.
فسأل شريح اليهودي: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فرد هذا متلاعبا: الدرع درعي! وما أمير المؤمنين عندي بكاذب! (يريد أن يمسك العصا من منتصفها نفاقا علي طريقتهم!) .
فيلتفت شريح إلي أمير المؤمنين فيقول: يا أمير المؤمنين هل من بينه؟!
إنه هكذا العدل الرباني! البينة علي من ادعي .. وهذه دعوي مرفوعة إلي القضاء فلا بد فيها من البينه وإن تكن مرفوعة من أمير المؤمنين وإن تكن من علي كرم الله وجهه الذي لم يعرف عنه كذب قط والذي لا يعقل أن يكذب علي الله من أجل درع وهو المستعلي علي كل متاع الأرض يراه الناس يرتجف من شدة البرد في الشتاء وتحت يده بيت المال يحق له منه كسوة شرعية تقية البرد فيقول: والله ما أرزؤكم شيئا! إن هي إلا قطيفتي خرجت بها من المدينة!
ولكن جواب علي كرم الله وجهه كان أروع!
قال: صدق شريح! مالي بينه!
هكذا في بساطة المؤمن المتجرد .. مالي بينه!
لم يغضب! لم يقل للقاضي: مني تطلب البينة وأنا أمير المؤمنين؟!