{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة 2/ 143] .
هل نعجب إذن حين نري تلك النماذج الرفيعة لتطبيق العدل الرباني علي يدي الصحابة رضوان الله عليهم وهم ممكنون في الأرض أصحاب سلطان لا يدانيه في ذلك الوقت سلطان؟
تسابق ابن عمرو بن العاص والي مصر مع شاب قبطي فسبق القبطي فضربه ابن عمرو بن العاص ضربه بالعصا وقال: خذها وأنا ابن الأكرمين! فما كان من والد الشاب القبطي إلا أن رحل إلي المدينة ليشكو ضربة العصا إلي عمر _.
وإلي هنا فهناك ما يستوقف النظر.
لقد كان الأقباط يعيشون تحت الحكم الروماني في ذل مرير رغم اشتراكهم مع الرومان في العقدية المسيحية وذلك بسبب اختلاف المذهب فالاقباط علي المذهب الأرثوذكسي والرومان علي المذهب الكاثوليكي ومن أجل هذا الاختلاف في المذاهب وإن كان داخل العقيدة المسيحية فقد كان الرومان يعذبون الأقباط وينكلون بهم حتي قتل منهم من قتل فكانوا عندهم شهداء كما يبدو من أسم الكنيسة المعروفة اليوم باسم كنيسة ماري جرجس جنوب القاهرة وأسمها الصحيح كنيسة مار جرجس (أي الشهيد جرجس) وفي الكنيسة بالذات كانت العبادة تمارس علي نطاقين نطاق علني علي مذهب الدولة ونطاق سري في سراديب الكنيسة الخفية علي مذهب الأقباط في خفية عن عيون الرومان الذين ينكلون بهم إذا رأوهم يمارسون عبادتهم علي خلاف مذهب الدولة.
وكان الضرب بالسياط أمرا مألوفا من تلك الدولة (العظيمة!) لرعاياها الأقباط في مصر! ولم يكن الأقباط يشتكون! فلمن يشكون إذا أرادوا! إنما ذذلت نفوسهم وتحملوا ضرب السياط صاغرين؟
واليوم يسافر الرجل ألوف الأميال ليشكو ضربة عصا علي ظهر ولده الشاب! فما دلالة ذلك؟
إنها دلالة مزدوجة دلالة الكرامة التي استيقظت في نفس الرجل فراح يشكو ضربة العصا وهو الذي كان يذل لضربة السوط ودلالة وجود الملجأ الذي يشتكي إليه بعد أن لم يكن هنالك ملجأ للشكوي.
كلتاهما شاهد علي العدل الرباني الذي وجده الناس مطبقا علي يد عمر _ فصحت كراماتهم وهل يوقظ الكرامات شئ مثلما يوقظها ممارسة العدل في الأرض؟ ووجدوا الملجأ فراحوا يشتكون إليه.
ولكن الحادث أروع آفاقا وأبعد مدي وأعمق دلالة.
لقد أمر عمر بالقصاص! وأعطي الرجل عصاه وقال له: أضرب ابن الأكرمين! والتفت إلي واليه عمرو بن العاص فقال له كلمته المشهورة الخالدة: يا عمرو! متي استبعدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا!