ولا شك أن ذلك الأمر لم يكن ليتحقق لو كانت الأمة الفاتحة أمة غلبة حربية فحسب أو أمة ذات نزعة توسعية فحسب أو كانت تبغى العلو والفساد في الأرض ككل التجمعات الكبرى في جاهليات التاريخ!
إنما اعتنقت البلاد المفتوحة عقيدة الأمة الفاتحة وتكلمت لغتها لأنها رأت فيها نموذجا غير مكرر في التاريخ من قبل نموذج (أمة العقيدة) التي تفتح الأرض لا لشهوة التوسع والغلبة ولكن لتنشر النور وتنشر العدل وتنشر الأمن. وتنشر القيم الرفعية التي تحيا بها القلوب وتتفتح بها الأبصار.
ثالثا: تحقيق العدل الرباني في واقع الأرض
من أوامر الله لهذه الأمة تحقيق العدل الرباني في واقع الأرض وربط هذا الأمر بحقيقة الإيمان:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (136) } [سورة النساء 4/ 135 - 136] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) } [سورة المائدة 5/ 8] .
وربط هذا الأمر بالعقيدة في الله, وجعله خالصا لله يجعله سمة من سمات هذه الأمة أو لازما من لوازم وجوها ليهيئ لها القيام بدورها في قيادة البشرية وريادتها. ولكن التغلب علي أهواء النفوس والحد من نزواتها وشهواتها التي ينشأ عنها العدوان والظلم في واقع الحياة أم يحتاج إلي تربية وتدريب حتي تتعود النفوس أن تخضع للحق ولا تزيغ عنه ويتعود الناس أن يمسكوا بميزان العدل من منتصفه لا يميلونه ذات الشمال وذات اليمين.
ولقد كان الجيل الأول من هذه الأمة هو القمة العليا في تحقيق العدل الرباني في واقع الأرض بصورة لم تكن معهودة من قبل حتي في الأمم التي يوصف حكامها بالعدل وما زالت هذه الصورة بارزة باهرة حتي