كرامة أخيه ومشاعر أخيه والذى يقع فيه أن يقول أبو ذر لرجل أسود: يا ابن السوداء! فيقول له رسول الله ': عيرته بأمه؟! أنت امرؤ فيك جاهلية! فيذهب أبو ذر للرجل ويضع خده على الأرض ويقول للرجل: طأ خدى بقدمك! والذى يقول فيه عمر العربى القرشى عن بلال العبد الحبشى"سيدنا بلال".
لا عجب إذن أن يكون ذلك الجيل أثقل الأجيال وزنا عند الله بشهادة رسول الله ' .. ولا عجب كذلك أن يكون أبعدها أثرا وأكثرها فاعلية في التاريخ .. بدليل ذلك الانسياح الواسع في الأرض الذى لا مثيل له من قبل ولا من بعد والذى لم يكن مصدره التفوق في العدد أو العدة أو الخبرة العسكرية - فقد كان ذلك كله من نصيب الأعداء! - إنما كان مصدره ضخامة الحق الذى آمنت به تلك الأمة والتقت عليه وضخامة المنطلق الذى تنطق منه فتحطم كل ما تجد في طريقها من صور الباطل وأشكاله. فقد استطاعت تلك العصبة المؤمنة أن تسحق الجاهلية سحقا وتمحوها من الوجود في قطاع واسع من الأرض لا في صورة دول وحكومات وجيوش زالت من الوجود فحسب بل في صورة عقائد كذلك وأنظمة وتقاليد.
ولم يقتصر عملها على إزالة تلك الدول والحكومات والجيوش بما تحمله من عقائد وأنظمة وتقاليد فهذا عمل قد تقدر عليه القوى البشرية العادية -بشرط وجود التفوق العسكرى - كما أتيح لها نيبال وجنكيز خان ونابليون وهتلر لفترات من الزمان .. إنما الذى تفردت به أمه العقيدة أنها نشرت في ربوع تلك الأرض عقيدة الحق بغير إكراه! ونشرت كذلك لغة هذه العقيدة بغير إكراه!
لقد أزال المسلمون دولة فارس كلها على كل ما كان لها من الهليمان والقوة وأزالوا قطاعا كبيرا من دولة الروم أعظم دول ذلك التاريخ ولكنهم لم يكرهوا أحدا على اعتناق الإسلام تنفيذا لأمر الله الذى يأمر بإزالة الطواغيت من الأرض ولكنه يأمر كذلك بعد إكراه الناس على العقيدة الصحيحة بعد إزالة القوى التى تصد الناس عن الحق ممثلة في نظم وحكومات وجيوش:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [سورة الأنفال 8/ 39] .
{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) } [سورة البقرة 2/ 256] .
ولكن المعجزة الكبرى التى تحققت على يد ذلك الجيل أن الذين لم يكرهوا على اعتناق العقيدة الإسلامية قد دخلوا في الإسلام من ذوات أنفسهم وأقبلوا عليه إقبالا وفرحوا بمجئ المسلمين إليهم وأحبوهم وصاروا بدورهم جزءا من هذه الأمة وجندا من جنود الإسلام .. كما أصبحوا كذلك يتكلمون بلغة العقيدة الجديدة ونسى كثير منهم ما كان لهم من لغات! [1] .
(1) بل إن الذين بقوا علي دينهم النصاري في مصر والشام وغيرها نسوا لغاتهم الأصلية تمامًا, ولم يعد لهم لسان إلا العربية علي الرغم من أنهم لم يعتنقوا هذا الدين.